تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذه الآيات الكريمة توجيه من الله سبحانه لنبيِّه الكريم ابتداءً، ولكلِّ المؤمنين من بعده للالتجاء إلى كنفه، والاعتصام بحماه من كلِّ ما يخيف، وكأنما يفتح الله سبحانه حماه ويقول لهم: تعالوا فأنا أعلم أنكم ضِعاف، وهنا الأمن والطمأنينة. فأنت حين تُذْنب تلجأ إليه لأنه غفَّارُ الذنوب، وعندما تكون فقيراً تلجأ إليه لأنه الغني، وكذا عندما تخشى حسد الحُسَّاد فأنت تلجأ إلى رَبِّ الفلق، الَّذي يَشُقُّ الظلمات عن القلوب بنوره، ويردُّ كيد الكائدين وعبث العابثين بقدرته. ويَذْكر الله سبحانه نفسه بصفته الَّتي يكون بها العياذ، فهو ربُّ الفلق، والفلق من معانيه انبلاج الصبح كما قال تعالى: ﴿فالقُ الإصْباحِ..﴾ (6 الأنعام آية 96) وسبب تخصيص الصبح باللجوء إلى الله، أنَّ انبثاق نور الصبح بعد شدَّة الظلمة، يشبه مجيء الفرج بعد الشدَّة. وقيل الفلق: الجبال والصخور تنفلق بالمياه، وقيل: هو التفليق بين الجبال والصخور، لأنها تتشقَّق من خشية الله عزَّ وجل، وقيل: هو كلُّ ما يفلقه الله؛ كالأرض عن النبات، ﴿إنَّ الله فالِقُ الحبِّ والنَّوَى..﴾ (6 الأنعام آية 95) والجبال عن العيون، والسَّحاب عن الأمطار، والأرحام عن الأولاد، والقلوب عن المعارف.

إن الاستعاذة بربِّ الفلق من شرِّ ما خلق، جملةً وتفصيلاً؛ تعني أنَّ للخلائق شروراً، كما أنَّ لها منافع وخيرات؛ وتتجلَّى تلك الاستعاذة بالالتجاء إلى الله مستمدِّين منه العون والقوَّة، بغية اتِّقاء تلك الشرور، والتعامل مع الآخرين وفق توجيهاته سبحانه، للاستفادة من الخير الكامن في نفوسهم.

منهاج حياة · الصفحة ١٣٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١٣٦٠