وكذلك القمر في حجمه وبعده عن الأرض، فلو كان أكبر أو أقرب مما هو عليه، لكان المدُّ الَّذي يُحدثه في بحار الأرض ومحيطاتها، كافياً لغمرها بطوفان يعمُّ كلَّ ما عليها. فالوجود كلُّه متناسق ومتوازن مع بعضه بعضاً، وهو مرتبط ارتباط العبودية بمصدره الأوَّل، وخالقه المبدع؛ والنجم والشجر فيه يدلان على هذا التناسق والتوازن، فهما يخضعان لله وينقادان، كما ينقاد الوجود بأسره للرحمن فيما يريده، (النجم هو النبات الَّذي لا ساق له، كالعشب والبقل)، ويتمثَّل هذا الانقياد بإنتاج الخضار والثمار والفواكه؛ وما اختلاف الثمر في الشكل والهيئة، واللون والمقدار، والطعم والرائحة والعناصر المكوِّنة لها من أملاح ومعادن بشكل موزون ومتوازن مع مقدار حاجة الإنسان والحيوان من هذا النبات، إلا انقياداً للقدرة الَّتي أرادت ذلك قال تعالى: ﴿والأرضَ مَدَدْناها وألقينا فيها رواسيَ وأَنْبتنا فيها من كلِّ شيء موزون)﴾ (15 الحجر آية 19). وتشير الآية إلى السماء لتنبيه القلب الغافل، وإنقاذه من بلادة الأُلفة، وإيقاظه لرؤية عظمة هذا الكون وتناسقه وجماله، وإلى قدرة اليد الَّتي أبدعته وجلالها. فمن عظمة رفع السماء الهائلة المترامية الأطراف، إلى إقامة ميزان الحقِّ، الَّذي وضعه الله تعالى ثابتاً راسخاً مستقرّاً، لتقدير القيم، قيم الأشخاص والأحداث كي لا يختلَّ تقويمها.
منهاج حياة · الصفحة ١٣٣٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ١٣٣٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي