إن مهمَّة الإنسان في الوجود أن يكون رقيباً على نفسه، حكيماً يضع الأمور في نصابها، فلا تطغى أمور الدُّنيا على أمور الآخرة، ولا متطلَّبات الجسد على سمُوِّ الروح، لأن الروح هي قبس إلهي في الإنسان، فيجب أن نصونها عن كلِّ ما يَمَسُّ نقاءها وإشراقها، والجسد صدفة فانية فلا نأسى عليه. وبناءً على هذا فقد غلَّبت العقيدة رابطة الإيمان على رابطة النَّسب، لأن الإيمان تيار يسري في القلوب المُحِبَّة، وهو تيار مُصفَّى مُنقَّى، إذا لامس الأنفس أحرق شهوانيتها، وحقَّق إنسانيتها، فتتوحَّد مشاعرها وتترابط في الله ومن أجل الله. أمَّا روابط الدم والنسب، فهي مُعَرَّضة للتذبذب والفتور كلَّما تصادمت المصالح، فكم من ابن عقَّ والديه من أجل المال، وكم من أخ أنكر أُخُوَّته بسبب مصلحة شخصية أو مغنم دنيوي. أمَّا المال فلا أمان له، فهو معرَّض للسرقة أو الخسارة أو الفناء لسبب أو لآخر، وكذلك المساكن والقصور والأثاث والرياش، فهي تملأ العين، ولكنَّها لا تملأ القلب المؤمن أبداً. فإذا لم يستجب المرء لما يحيي موات قلبه وينقذ وجدانه، فإن عقاب الله سينزل به، والله تعالى حين يعاقب لا يعاقب انتقاماً لذاته المقدَّسة، فهو أعظم وأجلُّ وأرفع، بل يعاقب من أساء إلى ميزان الحقِّ الَّذي جعله صمَّام الأمان، لسعادة الإنسان ونقاء ضميره.
فما هو هذا العقاب؟ هل هو عذاب يوم القيامة؟ أم هو زلازل وبراكين وكوارث غالبة؟ لا، إنه قبل ذلك كله الذلُّ والهوان والمسكنة، إنه تسلُّط الأمم الجبَّارة على الأمم الضعيفة، الَّتي ما ضعُفت إلا لأنها خالفت أوامر الله، وتقاعست عن مواصلة السير في طريقه الَّذي هو كَسْرُ كلِّ تعلُّق مادِّي ونفسي، ورَبْطُ القلوب به، وتوجيهُ الأعمال خالصة لوجهه، وبذلك تنال الأُمَّة القوَّة والعزَّة على سائر الأمم، بعلومها المتقدِّمة، وإنسانيتها الخلاقة، وأخلاقها الرفيعة.