وإذا سلَّم الإنسان بهذه البديهية، تسرَّب بَرْدُ الطمأنينة إلى قلبه، وانضبطت أموره وفق قواعد دقيقة، وقوالب محكمة، تحميه من الزَّلل، وتعصمه من الخلل. وعقيدة التَّوحيد لا تقبل شريكاً لها في قلب العبد المؤمن، لأنها تريد وحدها أن تأسر قلبه وتملك عليه مشاعره، وأن تنشر من نورها على جنبات هذا القلب، فإذا فاض النور ترشَّح من القلب إلى جدران النفس فارتقت، وتحوَّلَتْ من نفسٍ أمَّارة بالسوء، إلى نفس مطمئنَّة تُسلم قيادها لله تعالى، وتقرُّ بالعبودية له، فتصبح نظيفة مستقيمة، وفق شريعته عزَّ وجل.
والمؤمن مطالَبٌ بأن يضع العقيدة ومقتضياتها في كفَّة، ثم يضع كلَّ ما يتعلَّق بأمور الدُّنيا من أبناء وآباء وزوجات، وأموال وعشيرة، وقصور وتجارة ومساكن، في الكفَّة الثانية، وعليه أن يرجِّح كفة العقيدة بالإيمان الصادق المخلص، لأن كلَّ ما يتعلَّق بالدُّنيا أمر آنيٌّ لا دوام له، فإذا ما تعلَّق قلب الإنسان بشيء ما، ثم طرأ عليه طارئ ففقده، كانت فاجعته شديدة، قد تودي بحياته، أو تذهب بعقله، أو تزعزع إيمانه. ولكن هل ينبذ الإنسان كلَّ شيء ويعيش وحيداً، فريداً، هائماً على وجهه؟ الجواب: لا، فالإسلام طلب منا أن نعدِّل ميزان حرارة قلوبنا، فكلَّما انخفضت درجة حرارة الإيمان، رفعناها بالذكر والصلة بالله، والعبادات بأنواعها، والصدقات بمختلف أشكالها، وكلَّما ارتفعت درجة حبِّ الدُّنيا، خفضناها بتذكُّرنا أَنَّ ما عند الله هو خير وأبقى.