تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد تضمَّن التركيب الفطري للإنسان ميلاً نحو هذه الشهوات، وهذا جزء أصيل في تكوينه، لا يجوز إهماله ولا تجاهله، لأنه ضروري للحياة البشرية كي تنمو وتتأصَّل، ولكن الواقع يشهد بأن في الفطرة جانباً آخر يوازي ذلك الميل، ويحمي الإنسان من الاستغراق في ذلك الجانب وحده، وهو الاستعداد لضبط النفس والوقوف بها عند الحدِّ السليم من مزاولة هذه الشهوات؛ الحدِّ الباني للفضائل والحافظ للنفس والحياة. وهذا الاستعداد يُهذِّب ذلك الميل وينقِّيه من الشوائب، ويجعله في الحدود المأمونة، الَّتي لا يطغى فيها جانب اللذَّة الحسيَّة ونزعاتها على الروح الإنسانية. وبذلك ضَمِنَ الإسلام سلامة الكائن البشري من الصراع بين شطري النفس البشرية، وهما نوازع الشهوة واللذَّة وأشواق الارتفاع والتسامي، وحقَّق لهذه وتلك نشاطها المستمرَّ في حدود التوسُّط والاعتدال. فعلى المؤمن أن يكون كيِّساً حكيماً، يمنع نفسه من السقوط في مهاوي الشهوات، كي لا تشغله عن تهذيب روحه وإنارة عقله، وأن يوازن بين دنياه وآخرته كما قال تعالى: ﴿ومنهم من يقولُ ربَّنا آتنا في الدُّنيا حسَنَةً وفي الآخرةِ حسَنَةً وقِنا عذابَ النَّار﴾ (2 البقرة آية 201). والعاقل من استبدل الَّذي هو أدنى بالَّذي هو أعلى، وأحلَّ رضا الله وتقواه محلَّ القيادة لهذه الشهوات والملذَّات الآنيَّة، الَّتي قد يراها الإنسان من أجَلِّ النِّعم الدنيوية، ولكنَّ المؤمن الحقَّ الَّذي ارتبط قلبه بالذَّات الإلهية، يرى عالم الروح خيراً وأبقى، وهذه الرؤيا لا ينالها إلا الَّذين اتَّقوا ربَّهم وخافوه وذكروه. والشعور بالتَّقوى مهذِّبٌ للروح، مُرهِف للحسِّ، ضابط للنفس يكبح جماحها كيلا تنساق وراء الوهم والسراب، وفيه ربطٌ لمتاع الدُّنيا بمتاع الآخرة حيث الجنَّات ونعيمها، والخيرات واستمرارها، والأزواج المبرَّأة من كلِّ عيب، وكمال ذلك هو الحصول على رضوان الله وهو أعظمُ اللذَّات عند المتَّقين.

منهاج حياة · الصفحة ١٣١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١٣١٤