تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد بدأت الآية الكريمة بذكر النساء، لأن الفتنة بهن من أعظم الفتن إذا ما استقرَّ حبُّهن في القلب، وتملَّكَ الجوارح، حتَّى يخرج بصاحبه عن حدود الاعتدال والاتزان، فيصرفه عما خلقه الله من أجله، وهو الإيمان والعبادة وإعمار الكون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما تركتُ بعدي فتنة أضرُّ على الرجال من النساء» (متفق عليه عن أسامة بن زيد رضي الله عنه ). فالنساء هُنَّ موضع الرغبة بالنسبة للرجال، وإليهن تسكن النفوس كما قال الله تعالى: ﴿ومن آياتِهِ أن خلَقَ لكم من أنفُسِكم أزواجاً لتسْكُنوا إليها وجعلَ بينَكُم مودَّةً ورحمةً إنَّ في ذلك لآيات لقومٍ يتفكَّرون﴾ (30 الروم آية 21). وإذا انفردت الآية الأولى بذكر مشاعر الرجال تجاه النساء، فهذا لا يعني أبداً أن القرآن يهمل مشاعر النساء تجاه الرجال، ففي هذه الآية دليل على أن المشاعر بين الرجل والمرأة مشتركة، وأمر أن تكون هذه المشاعر بين الزوجين قائمة على المودَّة والتراحم بينهما، لا على مبدأ المشاركة فحسب.

ثم ذكرت الآية البنين لأن النفس الإنسانية توَّاقة إليهم شديدة الشغف بهم، فهم ريحانة القلوب، وفلذات الأكباد وقرَّة العيون، بهم يرتفع الذِّكر وينتشر الصيت، وهم أصحاب الإرث عن الآباء بكلِّ أنواعه، سواء كان إرثاً مادِّياً أم فكرياً أم تربوياً. وقد قَرَن معهما حبَّ كثرة المال، لأنه مطيَّة لجلب الرغائب، وسبيل لنيل الملذَّات والشهوات. ولا يخفى أن رغبات الإنسان لا حدود لها، وملذَّاته لا حصر لها، وكلَّما حصل على لذَّة طلب المزيد، وكلَّما وصل إلى غاية تاقت نفسه إلى بلوغ ما بعدها، قال صلى الله عليه وسلم : «إن الدُّنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتَّقوا الدينار واتَّقوا النساء» (رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ).

منهاج حياة · الصفحة ١٣١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١٣١٢