ويُسدل الستار على هذا المشهد، وقد انتصرت القلوب المؤمنة بتدخُّل القدرة الإلهية العادلة، ورجحت قيمة الإيمان في كفة الميزان، ويأتي التعقيب في وقته المناسب: تلك الدار الآخرة الَّتي تحدَّث عنها الَّذين أُوتوا العلم، فجعلها الله تعالى للذين لا يريدون عُلُوّاً في الأرض ولا فساداً، فلا يقوم في نفوسهم خاطر الاستعلاء على غيرهم، ولا يهجس في قلوبهم هاجس الاعتزاز بذواتهم، إنما يتوارى شعورهم بأنفسهم ليملأها الشعور بالله ومنهجه في الحياة. ورد في الأثر: [ابن آدم! كُفَّ عن محارم الله تكن عابداً، وارضَ بما قسم الله لك تكن غنيَّاً، وأحسن مجاورة من جاورك من النَّاس تكن مسلماً، وصاحب النَّاس بالَّذي تحبُّ أن يصاحبوك به تكن عدلاً، وإيَّاك وكثرة الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلوب، إنه كان بين أيديكم أقوام يجمعون كثيراً ويبنون شديداً، ويأملون بعيداً، فأين هم؟ أصبح جمعهم بوراً، وأصبح علمهم غروراً، وأصبحت مساكنهم قبوراً! والعاقبة للمتَّقين الَّذين يخشون الله ويراقبونه، ويتحرَّجون من غضبه، ويبتغون رضاه. وفي الدار الآخرة يقع الجزاء كما كتب الله على نفسه؛ الحسنة بأضعافها وبما هو خير منها، والسيئة بمثلها رحمة بضعف الخلق وتيسيراً عليهم].
والخلاصة: أن قصَّة قارون هي نموذج يتكرَّر كلَّ يوم، وفي كلِّ يوم نسمع عن كثير ممَّن انهارت ثرواتهم بين عشيَّةٍ وضُحاها، والله تعالى يعاقب المفسدين بأشكال مختلفة، فإذا لم يأخذ المال منهم، أخذهم إليه، وترك مالهم لغيرهم يتصرَّفون به حسب مشيئتهم، وفي ذلك موعظة حسنة وذكرى لأولي الألباب.
الفصل الثاني:
الاعتدال في التعلُّقات الدنيوية
سورة آل عمران(3)