تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد انقسم النَّاس أمام غنى قارون إلى طائفتين: طائفة وقفت أمام فتنة الحياة الدُّنيا، وقفة المأخوذ المبهور المتهادي، وطائفة وقفت وقفة استعلاء على هذا كلِّه، اعتزازاً بقيمة الإيمان، والرجاء فيما عند الله، والرغبة في ثواب الله. وتقابلت قيمة المال وقيمة الإيمان في كفَّتي الميزان: الفريق الأوَّل افتُتِن بمال قارون، وسال لعابهم حسداً وطمعاً، وتمنَّوا لأنفسهم ما كان له، بينما قام المصلحون من الفريق الثاني بتوعية النَّاس، محاولين ردعهم عن مثل هذا التفكير وردَّهم إلى جادَّة الصواب، وبيَّنوا لهم أن الإيمان والعمل الصالح أَنْفَسُ من كلِّ نفائس الأرض وأن المال هو الزائل، وأنه لا يُعطى هذه المرتبة من القناعة والرضا إلا الصابرون على أمر الله، وعلى أداء الطاعات واجتناب المحرَّمات، والراضون بقضاء الله في كلِّ ما قسم من المنافع والمضار، والمنفقون أموالهم في كلِّ ما فيه سعادة لهم وللمجتمع؛ وبذلك يصبحون قدوة صالحة في حفظ مجد أُمَّتهم ورفع اسمها بين الأمم ببذل كلِّ ما فيه نفعها وقوَّتها وإعلاء شأنها، وبذا ينالون حُسن السيرة بين النَّاس، ويلقون المثوبة من ربِّهم.

وتتدخَّل القدرة الإلهية لتحسم الموقف، ولتخسف الأرض بقارون وماله، ليصبح عبرة للناس في لحظات قلائل، ﴿فخَسفْنا به وبدارِهِ الأرضَ﴾ هكذا في لمحة خاطفة هوى في بطن الأرض، الَّتي علا عليها واستطال فوقها جزاءً وفاقاً، وذهب ضعيفاً عاجزاً لا ينصره أحد، ولا ينتصر بجاه ولا مال، وهوت معه الفتنة الطاغية الَّتي جرفت بعض النَّاس، ثم ردَّتهم إلى الله، وكشفت عن قلوبهم قناع الغفلة والضلال.

منهاج حياة · الصفحة ١٣٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١٣٠٨