والإسلام يعترف بالملكية الفردية، ويقدِّر الجُهد الفردي الَّذي يُبذل في تحصيلها من وجوه الحلال، ولا يهوِّن من شأنه ولا يلغيه، ولكن في الوقت ذاته يفرض منهجاً معيَّناً للتصرُّف فيها كما يفرض منهجاً لتحصيلها وتنميتها، وهو منهج متوازن لا يحرم الفرد ثمرة جهده، ولا يطلق يده في الاستمتاع به حتَّى الترف، ولا في إمساكه حتَّى التقتير، كما يفرض للجماعة حقوقها في هذا المال، وهو منهج واضح الملامح متميِّز السِّمات. ولكنَّ قارون لم يتَّبِع ذلك المنهج ولم يستمع لنداء المصلحين من قومه، ولم يشعر بنعمة ربِّه، وأعرض عن هذا كلِّه في استكبار لئيم، وبطر ذميم. ومن ثَمَّ جاءه التهديد الإلهي ردّاً على قولته الفاجرة المغرورة: فإن كان ذا مال وذا قوَّة فقد أهلك الله من قبله أجيالاً كانت أشدَّ منه قوَّة وأكثر مالاً، وليعلم أنه هو وأمثاله من المجرمين، أهون على الله حتَّى من أن يسألهم عن ذنوبهم، فليسوا هم الحكم ولا هم الأشهاد.
وجاء يومٌ خرج فيه قارون على قومه في زينة عظيمة، وتجمُّلٍ باهرٍ من مراكب وخدم وحشم، مريداً بذلك التعالي على النَّاس، وإظهار العظمة، وهي صفات بغيضة تُقوِّض كيان المجتمع، وتُفسد نُظُمه، وتفرِّق شمل الأمَّة، وتقسمها إلى طبقات متناحرة، وفي ذلك تخاذُلها، وطمع العدو في امتلاك ناصيتها. وهذا ما يحمل تحذيراً لنا وأيَّما تحذير، فكثير ممن يُظهرون النِّعم إنما يريدون التعالي والتفاخر، وكم من مترفٍ يقيم الزينات ويصنع الولائم لعرس أو مأتم لا يريد بذلك إلا إظهار ثرائه، وسعة ماله بين عشيرته؛ فيكون قارون زمانه، وتكون عاقبته ضياع ما أوتيه من مال، ويُذهب الله ثراءه، ويجعله عبرة لمن يعتبر. فالكتاب الكريم ما قصَّ علينا هذه القصص إلا ليرينا أن الكبرياء والتعالي يلحقان الوبال بصاحبهما في الدُّنيا قبل الآخرة.