وهكذا نجد أن هذا المنهج يحقِّق التعادل والتناسق في حياة الإنسان، ويمكِّنه من الارتقاء الروحي الدائم، من خلال حياته الطبيعية المتعادلة، الَّتي لا حرمان فيها ولا إهدار لمقوِّمات الحياة الفطرية البسيطة. فالمال هبة من الله وإحسان، فليُقابَل بإحسان التقبُّل، وإحسان التصرُّف، والإحسان به إلى الخلق، وإحسان الشعور بالنعمة، وإحسان الشكر عليها؛ فلا يستعمل للفساد في الأرض والظلم، ولا يُشْتَرى به العدوان فتمتلئ صدور النَّاس بالحقد والبغضاء، وليُنفق في وجهه الصحيح، وفي المصارف الَّتي أمر الله بها، فالله تعالى لا يحبُّ المفسدين في الأرض، كما أنَّه لا يحبُّ الفرحين المتكبِّرين.
ولما وُجِّهتِ النصيحة إلى قارون كان موقفه موقف غيره من المتسلِّطين، فادَّعى بأن ما أوتيه، كان بسبب علمه وجهده، ناسياً أو متناسياً بأن الله تعالى هو الَّذي منحه طاقات العلم والعمل، وأعطاه الصحَّة والقوَّة، وبها جميعاً تمكَّن من جمع هذا المال الوفير. إنها قولة المغرور الَّذي ينسى مصدر النعمة وحكمتها ويفتنه المال، وهو نموذج متكرِّر في البشرية، فكم من النَّاس من يظنُّ أن علمه وجهده هما وحدهما سبب غناه، ومن ثم يدَّعي أنه غير مسؤول عما يُنفق وعما يُمسك، وغير محاسب على ما يُفسد بالمال وما يصلح، غير مهتمٍّ بالله تعالى ولا مكترث بغضبه أو رضاه.