تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالكنوز، والابتهاج بالمُلك؛ لا تفرح فرح الَّذي يستخفُّه المال، فيُشغَل به قلبه، ويطير له لبُّه، ويتطاول به على العباد، ﴿إنَّ الله لا يحبُّ الفرحين﴾ فهم يردُّونه بذلك إلى الله الَّذي لا يحبُّ الفَرِحين المأخوذين بالمال، المتطاولين بسلطانه على النَّاس، كما أن الله لايحبُّ الفرِحين بنعمه المتناسين فضلَه وكرمه.

ويوجِّه الله عباده جميعاً الوجهة المعتدلة الصحيحة، الَّتي توازن بين الدُّنيا والآخرة، ليستعملوا ما وهبهم إياه من المال في طاعته، والتقرُّب إليه بأنواع القُربات الَّتي يحصلون بها على الثواب في الدُّنيا والآخرة. وألا يتركوا حظَّهم من لذَّات الدُّنيا الكامنة، في مآكلها ومشاربها وملابسها، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إن لربِّك عليك حقّاً، ولنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً» (رواه البخاري والترمذي عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه) وفي هذا يتمثَّل اعتدال المنهج الإلهي الَّذي يعلِّق قلب صاحب المال بالآخرة، دون أن يحرمَهُ الأخذ بقسط من متاع الحياة الدُّنيا، بل يحضُّ على هذا، ويكلِّفه إياه تكليفاً كي لا يزهد الزُّهْد الَّذي يهمل الحياة ويضعفها. لقد خلق الله طيِّبات الحياة، ليستمتع النَّاس بها، وليعملوا في الأرض على توفيرها وتحصيلها، فتنمو الحياة وتتجدَّد وتتحقَّق خلافة الإنسان على هذه الأرض، على أن تكون وجهتهم هي الآخرة، فلا ينحرفون عن طريقها، ولا ينشغلون بالمتاع عن تكاليفها، والمتاع في هذه الحالة، لون من ألوان العطاء الإلهي يستوجب الشكر للمُنْعِم، وتقبُّل عطاياه، والانتفاع بها، ففي ذلك طاعة من الطاعات يَجزي عليها الله بالحسنى.

إن الزُّهْد الحقيقي يكمن في الامتناع عن الاستئثار بالنعم وعن الرغبة في كنزها، وليس من الزُّهْد في شيء الامتناع عن الكسب الحلال، وتعطيل القوى ووأْدُ المواهب، بل هو البطالة والكسل والخمول وتضييع المنح الإلهية.

منهاج حياة · الصفحة ١٣٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١٣٠٥