تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ـ إن مثيلات قصَّة قارون تتكرَّر على مدى الأيام والعصور، ولعلَّ في محيط كلٍّ منا قارونَ، علا وبغى فقصمه الله تعالى. فليكن ذلك عبرة لنا وسبباً لاتِّخاذ الحيطة والحذر قبل أن نهلك بما سعينا لكنزه والإكثار منه.

ـ لم يحارب الإسلام تجميع الثروات، بل حارب إساءة استعمالها واستعلاء أصحابها، ولو أنهم أدَّوْا ما عليهم من الواجبات، لكسبوا الحسنة والرضا في الدُّنيا والآخرة معاً.

في رحاب الآيات:

أمثال قارون كُثر على مرِّ العصور والأيام، ولكنَّ نسبة الصفات القارونية فيهم تختلف من شخص لآخر، فبعضهم يصبح قارونَ بأقل الثروات، فتنقلب أخلاقه، وتتغيَّر مصداقيته، ويبغي على من حوله تعدِّياً وجوراً، وبعضهم الآخر يملك ما يداني ثروة قارون، فلا يزيده ذلك إلا تواضعاً وخشية لله. أمَّا قارون موضوع هذه الآيات فكان ابن عم موسى عليه السَّلام، وكان ممن آمن بالله تعالى، وكان أَقْرأَ بني إسرائيل للتوراة، وسُمِّي المُنوَّر لحسن صورته. ثم تغيَّر حاله بسبب الغنى، حيث ملكَ من الثروات الشيء الخيالي، حتَّى إن مفاتيح الخزائن الَّتي وضع فيها كنوزه، هي من الكثرة، بحيث تحتاج إلى العديد من الرجال الأقوياء لحملها، فما بالك بالكنوز ذاتها؟؟ ومع ذلك، فمن سياق الآيات نجد أنه كان هناك في سالف العصور من هو أشدُّ غنىً وثروة وقوَّة منه، فماذا كان مصير أولئك البُغاة الجبَّارين، وماذا نفعتهم أموالهم وذهبهم وفضَّتهم وحُلِيُّهم؟؟ وهل تقف هذه الثروات حائلاً بين أصحابها وبين عذاب الله وغضبه؛ إذا لم تُستثمر في وجوه الخير والإحسان؟. على أن المصلحين لم يتركوا قارون يغرق في النعيم وينسى حقوق ربِّه فقالوا له: ﴿لا تفرح إنَّ الله لا يحبُّ الفَرِحِيْن﴾، وفي هذا القول خلاصة ما في المنهج الإلهي القويم من قِيَم وخصائص، تجعله متميِّزاً متفرِّداً بين سائر مناهج الحياة؛ لا تفرح فَرح الزهُوِّ المنبعث من الاعتزاز بالمال والاحتفال بالثراء، والتعلُّق

منهاج حياة · الصفحة ١٣٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١٣٠٤