الَّذي يَعدُكم إنَّ الله لا يهدي من هوَ مسرفٌ كذَّاب} (آية 28).
ويُستفادُ من ذلك أن الإيمان الحقيقي هو الثقة الكاملة بالله، والاستسلام الروحي والعقلي له، وأنه يجوز التستر على العقيدة إذا خاف الإنسان على روحه، بشرط أن يكون القلب ثابتاً على الإيمان، مطمئناً به، أمَّا من كفر حقيقة بإرادته واختياره من بعد إيمانه فعليه غضب من الله، وله عذاب عظيم.
ولا يجوز أن تكون العقيدة موضع مساومة، ولا وضعها في ميزان الأرباح والخسائر، لأنها ليست صفقة قابلة للأخذ والرد فهي فوق هذا وأعز، وهي في حياة المؤمن أمر ثابت لا محاباة فيه ولا ترخيص، وهي أمانة ولا يُحْسِنُ رعايتها إلا من وعاها وأدرك حقيقتها. فلا يمكن لإنسان ذاق حلاوة الإيمان أن يرتدَّ عن دين الله، بينما الارتداد الَّذي حصل في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، فإنه يعود إلى عوامل يمكن اختصارها في الأسباب التالية:
1 ـ دخول أولئك المرتدِّين في حظيرة الإيمان بدافع عاطفي، وبمعزل عن التفكر والتدبُّر العقلاني لهذه العقيدة، أو بسبب دخولهم في الدِّين من أجل مصالح اجتماعية أو مادِّية أو سياسية.
2 ـ تعرُّضهم لإغراءات خارجية، لم تستطع نفوسهم مقاومتها والوقوف بوجهها، نتيجة لضعف إيمانهم، فانجرفوا وراءها وارتدُّوا عن الدِّين القويم.
3 ـ الخلافات والنزاعات الَّتي نشأت بين هؤلاء المرتدِّين وبين أقرانهم، والَّتي لعبت دورها في إثارة حميَّة الجاهلية الأولى، ممَّا أدَّى إلى انحرافهم عن جادة الإسلام.