إن جميع الشرائع السماوية مُجْمعةٌ على مبدأ المسؤولية الفردية، فلا مشاركة في ثواب أو عقاب، فكلُّ نفس بما كسبت رهينة، وهذا ما أشار إليه الله تعالى بقوله: ﴿ألاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فلا تحمل نفس حمل أخرى، لا تخفيفاً عن نفس ولا تثقيلاً على أخرى، ولا تُؤاخَذُ نفس بجريرة غيرها، ولا تملك نفس أن تخفف من وزرها ولا أن تتطوع فتحمل عن نفس غيرها شيئاً. كذلك، فما يُحسب للإنسان إلا سعيه وعمله، وهذه الحياة الدنيا هي الفرصة المعطاة له ليعمل ويسعى، ولن يضيع من هذا السعي شيء، ولن يغيب عن علم الله وميزانه الدقيق مثقال ذرَّة، وسينال كلُّ فردٍ جزاء سعيه وافياً كاملاً، لا نقصَ فيه ولا ظلم. وبذلك يتحدَّد مبدأ فردية التبعة، إلى جانب عدالة الجزاء، فتتحقَّق للإنسان قيمته الإنسانية، القائمة على اعتباره مخلوقاً راشداً مسؤولاً ومؤتمناً على نفسه، وتتحقَّق له كذلك الطمأنينة إلى عدالة الجزاء، عدالة مطلقة لا يميل بها الهوى، ولا يقعد بها القصور، ولا يُنقص منها الجهل بحقائق الأمور.
وختاماً يؤكِّد القرآن الكريم على أن المنتهى والمصير إلى الله تعالى، فلا طريق إلا الطريق الموصل إليه، ولا ملجأ منه إلا إليه، ولا مأوى إلا داره في نعيم أو جحيم، ولهذه الحقيقة أثرها في تكييف مشاعر الإنسان وتصوُّره، فحين يُحِسُّ أنَّ إلى الله منتهى كلِّ شيء وكلِّ أمر، فإنه يستشعر من أوَّل الطريق نهايته الَّتي لا مفرَّ منها ولا محيص عنها، ويصوغ نفسه وعمله وفق هذه الحقيقة، ويظلُّ قلبه وعمله مرتبطين بتلك النهاية منذ أوَّل الطريق وحتَّى آخره.
سورة الحج(22)
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ من يعبدُ الله على حَرْفٍ فإن أصابَهُ خيرٌ اطمَأنَّ به وإن أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلبَ على وجههِ خَسِرَ الدُّنيا والآخرةَ ذلك هو الخُسرانُ المُبين(11)﴾
ومضات: