ـ لقد جاء في الشرائع السماوية جميعها أنَّ كلَّ إنسان مسؤول عن عمله، فلا يتحمَّل إنسان وزر إنسانٍ آخر أو مسؤوليته، فليس للإنسان إلا ما أنتج وقدَّم، وسيُعْرَضُ ما قدَّمه على المحكمة الإلهية، ومن ثمَّ يُحاسب عليه وينال ما يستحقُّه من جزاء.
ـ إن مصير الخلائق والأكوان كلِّها إلى خالقها ربِّ العالمين، وهو العليم الخبير بما انطوت عليه صحائف أعمالهم ودخائل نفوسهم.
في رحاب الآيات:
يعرض القرآن صوراً اجتماعية متلاحقة للذي أدار ظهره للشريعة السمحاء، وامتنع عن الجود بماله أو كاد، بسبب بخله وتعلُّقه به وحبِّه لكنز الثروات، وكان يجدر به أن ينفق بسماحة نفس وسخاء، لأن الإنفاق هو دعوة الشرائع السماوية كلِّها.
والله جلَّ وعلا يخاطب عباده بلهجة المتعجِّب من أمر عبده، الَّذي يبدأ بدافع الإيمان، ببذل جزء من ماله أو من جهده في سبيل الله، ثمَّ يَضْعُفُ عن المواصلة ويَكُفُّ عن العطاء، وكان حريٌّ به أن يواصل عمله وإنفاقه، وأن يعيش موفِّياً حقَّ السائل والمحروم طوال حياته، وألا يبذل ثمَّ ينقطع، فلا ضمان له في الغيب المجهول إلا عمله ووفاؤه، ورجاؤه من هذا كلِّه مغفرة الله وقبوله. ويتخذ القرآن الكريم من حال هذا الإنسان مناسبة لعرض حقائق العقيدة وتوضيحها، فهل اطَّلع هذا الإنسان على الغيب فعلم أنه لا فائدة ترجى من إنفاقه؟ وهل علم بما جاء في شرائع الله عن دور الإنفاق وعظيم أجره، إنه لو تَتَبَّع ذلك لوجد أن الدِّين واحد، ثابتة أصوله وقواعده، متصلة عُرى أوائله بأواخره، يصدِّق بعضه بعضاً على توالي الرسالات والرسل عليهم السَّلام، وتباعد المكان والزمان بينهم، فهو في صحف موسى، وفي مِلَّة إبراهيم الَّذي وفَّى بكلِّ ما أمره به الله تعالى وفاءً استحقَّ به هذا الوصف.