إن هداية الدِّين، كهداية الحسِّ، لا تتمُّ إلا بهداية العقل، وهداية العقل لا تحصل إلا بتوجيه النفس وصحَّة القصد، وهؤلاء انصرفوا عن استعمال عقولهم استعمالاً نافعاً في الدلائل البصرية والسمعية، فأساؤوا إلى أنفسهم لأنهم أفسدوا استعدادهم الفطري لقبول الإيمان، وأساؤوا إلى الناس حين أفسدوا أخلاقهم وأرواحهم وأفكارهم وتصوراتهم، بما نشروه من أفكار باطلة، وما أشاعوه من ضلال. فمن فسدت فطرته لا يتورَّع عن رفض النور والهدى الَّذي يأتيه من قِبَل الله تعالى، ولن يتورَّع عن تكذيب الرسول، لكنَّه تعالى يواسي نبيَّه ويشدُّ عضده فيقول: أيُّها الرسول إن كذَّبوك فقل: لي عملي؛ وهو البلاغ المبين، والإنذار والتبشير، والدعوة إلى التوحيد، وجزاء ذلك الجنَّة والوصال من الله، ولكم عملكم؛ وهو الإفساد، وصرف القلب عن قبول الفيض الإلهي، وجزاؤه الخزي بين الأمم، والذُّل والتخلف بين الشعوب؛ في الحياة الدنيا، والنار والقطيعة في الآخرة، وهذا ما جنته أيديهم وما الله بظلاَّم للعبيد.
سورة النجم(53)
قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذي تَولَّى(33) وأعطى قليلاً وأكْدَى(34) أعندهُ عِلْمُ الغيبِ فهو يَرى(35) أم لم يُنَبَّأ بما في صُحفِ موسى(36) وإبراهيمَ الَّذي وفَّى(37) ألاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أخرى(38) وأنْ ليسَ للإنسانِ إلاَّ ما سعى(39) وأنَّ سعْيَهُ سوفَ يُرى(40) ثمَّ يُجزاهُ الجزاءَ الأوفى(41) وأنَّ إلى ربِّكَ المُنتهى(42)﴾
ومضات:
ـ ترسم الآيات صورة اجتماعية لمن أعرض، ويضع الشروط تِلْوَ الشروط لإنفاقه، أو يَمنُّ على من ينفق عليه، أو يعتقد بعدم أهليته للصدقات وفقاً لمزاجه، وكأنه مطَّلع على الغيب أو ناظر إليه.