إن تصرُّفات الإنسان الَّتي تخالف شرع الله وتؤذي صاحبها، وتُلحِق الضرر به، أو الَّتي تؤذي الآخرين مادِّياً، أو معنوياً، تُعْرَضُ جميعها على محكمةِ ربِّ العالمين، ولو شاء الله لحاسب فاعلها على الفور، ولكنَّه يمهله رحمةً به إلا أنه لا يهمله، وذلك من أجل أن يتوب ويصلح ما أفسده بذنوبه وأخطائه. فالله جلَّ وعلا أرْأفُ بالإنسان من أمه وأبيه ومن نفسه على نفسه، فهو خالقه وموجده من العدم، لقد اختاره عند الحمل من بين ملايين الحيوانات المنوية من أمثاله، ليكون إنساناً سويّاً، ونفخ فيه من روحه، وكرَّمه بالعقل، وأسجد لأبيه ملائكته، فهل يعقل أن يُنْزِلَ به عقابَه لأقلِّ هفوة؟ إنه يؤخره ليثوب إلى رشده، وتعود الحياة إلى ضميره، والله سبحانه يهيئ له الفرصة من أجل أن ينتفض قلبه ويطرح ما علق به من أوزار، فيندم ويستغفر وتجري دموعه سخية بين يدي مولاه، فإذا لم يحدث منه هذا وأَصَرَّ على مخالفته، فإن الإرادة العليا قد تعطي الإذن بإنزال العقوبة بهذا المخالف، في الدنيا بالابتلاء بالمرض أو الفقر أو غيره، وقد تؤجِّله إلى يوم القيامة، حيث لا يجد العاصي ملجأً من الله إلا إليه، وينزل به العقاب جزاء ما اقترف في حقِّ نفسه، وحقِّ ربِّه، وحقِّ إخوانه في الإنسانية، إحقاقاً للحقِّ الَّذي رفعه الله فوق كلِّ القِيَم، وجعله ميزانه في الأرض وفي السماء على السواء.
سورة النحل(16)
قال الله تعالى: ﴿وضَرَبَ الله مثلاً رجُلَيْنِ أَحَدُهُما أبْكَمُ لا يقدِرُ على شيءٍ وهو كَلٌّ على مولاهُ أينما يُوَجِّههُ لا يأتِ بخيرٍ هل يستوي هو ومن يأمرُ بالعدلِ وهو على صراطٍ مستقيم(76)﴾
ومضات: