ولكن كيف يظلم الإنسان نفسه، وما مظاهر هذا الظلم؟ إنها تبدو في إعراضه، وفي قسمات وجهه، وتقطيب جبينه؛ كلَّما دُعي إلى الله، أو سمع آياته تتلى، فهو يتجافى عنها وكأنها لا تعنيه، فلا يستوعبها ولا يستفيد منها، مع أنها قوى فاعلة لإنقاذه وتأمين السعادة له. فهو يظنُّ أنه في مستوى رفيع يحول بينه وبين التواضع لسماع كلمة الحقِّ، وتأخذه العزَّة بالإثم، فلا يهتزُّ قلبه حين يسمع بيان السماء يُلقَى في ضمير الكون، فإذا الجبال والأشجار والبهائم والحجارة كلُّها تصغي، وكلُّها تُسَبِّحُ بحمد الله، وتقدِّس له، وهو وحده الغريب عن نشيد الوجود، قد تقوقع في دائرة صغيرة جداً هي دائرة الذات، ورأى الوجود على انفساحه من خلال بؤرة ذاته الضيِّقة، فما راق له وتناسب مع أفكاره، فهو الجليل والعظيم، وما تعارض مع ميوله ورغباته، فهو المستنكَر المستقبح. لقد انغمست نفسه في مستنقع الأنانية فتناثر الرذاذ على قلبه، وأُحيط بطبقة كتيمة تحول بينه وبين نور الله، فانحبس ماء الحياة فلم يترشح شيء من جدرانه، ووصل بعض من هذا الرذاذ إلى أذنيه فأصيب بالصمم المعنوي، فهو لا يسمع ولا يعقل، وإن سمع فلا يحاول أن يفهم. لقد سدَّ أذنيه برتاج التكبُّر والغطرسة، إمَّا بسبب إقباله على الدنيا، أو بسبب غنى يورثه غروراً واستكباراً، وربَّما دون سبب ما يجعله يُعْرِضُ عن نداء الله. والله جلَّ وعلا لا يترك عباده ـ حتَّى العصاة منهم ـ دون دليل، فهو يرسل الأنبياء للتذكير ومن بعدهم المصلحين والمعلِّمين والدعاة، الَّذين يدأبون على محاولة تصحيح مسيرة المنحرفين، ولكنَّهم قد لا يفلحون في ذلك؛ لأن القلوب إذا صَدِئَت فسدت، والأرواح إذا تلوثت بالدنايا احتجبت، والنفوس إذا طغت تمردت على أصحابها.
منهاج حياة · الصفحة ١١١٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ١١١٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي