إن هذا المَثَلَ ونظائره من الأمثال الَّتي اشتمل عليها كتاب الله، يضربها الله سبحانه للناس، تقريباً لما بَعُد عن أفهامهم، وإيضاحاً لما أشكل عليهم أمره، أو استعصى عليهم فهمه، ولا يفهم مغزاها ومدى تأثيرها، واستتباعها لكثير من الفوائد إلا الراسخون في العلم، المتدبِّرون عواقب الأمور، ولا يفهم هذه الأسرار إلا الَّذين آمنوا بالله، وصدَّقوا رسوله، لأنهم هم الَّذين يستدلُّون بالآثار على مُؤثِّرها ويعلمون حقائق الأمور ولا ينشغلون بالمظاهر.
سورة الكهف(18)
قال الله تعالى: ﴿ومن أظْلَمُ ممَّن ذُكِّرَ بآياتِ ربِّهِ فأعرَضَ عنها ونَسِيَ ما قدَّمَتْ يداهُ إنَّا جعلنا على قلوبِهِمْ أَكِنَّةً أن يفقَهوه وفي آذانِهِم وَقْراً وإن تَدْعُهُم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً(57) وربُّكَ الغفورُ ذو الرَّحمَةِ لو يؤاخِذُهُم بما كَسَبوا لعجَّلَ لهمُ العذابَ بلْ لهم مَوْعِدٌ لن يجدوا من دونِهِ مَوْئِلاً(58)﴾
ومضات:
ـ في كلِّ خَلْقٍ من خَلْقِ الله آية ومعجزة، من الذَّرة إلى المَجرَّة، ومن البعوضة إلى الفيل، في نفس الإنسان وذاته، في مئات الملايين من الأعصاب الَّتي تدير جسده وحواسه. وعلى الرغم من ذلك كلِّه فقد أعرض بعض الناس متناسين أصلهم المنوي، وأيام حملهم في أرحام أمهاتهم، ومدة رضاعهم وطفولتهم ثمَّ ربيع عمرهم في شبابهم وقوتهم، فأغلقوا بأيديهم أبواب الرحمة الإلهية أمام وجوههم.
ـ لابُدَّ للإنسان كي يستوعب طريق الهداية، من قلب نابض بالحياة الروحية، مبتعد عما يُغَلِّفُهُ من التعلُّقات بغير الله تعالى، ولابُدَّ له من آذان واعية متفتحة مرتبطة بهذا القلب، لكي يعمره بنور ذكر الله.
ـ في كلِّ مناسبة يذكِّرنا الله عزَّ وجل بعظيم رحمته، ليشدَّ قلوبنا إليه في لحظة يصحو فيها ضميرنا، ويتحرك فؤادنا لهفة للمحبوب وتوبة صادقة إليه، فإن لم نغتنم هذه الفرص، فليس أمامنا مَفَرٌّ من مواجهة نتائج أعمالنا في اليوم الموعود.