ويغيب عن أذهانهم أن الالتجاء إلى تلك القوى أيّاً كانت كالتجاء العنكبوت إلى بيته، فهو بحد ذاته حشرة ضعيفة، رخوة واهنة، لا حماية لها ولا وقاية لها في بيتها الواهن، وليس هنالك إلا حماية الله وحِمَاه، وإلا رُكْنُهُ القوي المتين، هذه الحقيقة الجليلة هي الَّتي عُنِيَ القرآن الكريم بتقريرها في نفوس الفئة المؤمنة، فكانت بها أقوى من جميع القوى الَّتي وقفت في طريقها، وداست بها على كبرياء الجبابرة المتسلِّطين في الأرض، ودكَّت بها المعاقل والحصون. هذه الحقيقة استقرَّت في كلِّ نفس مؤمنة، وعمرت كلَّ قلب ذاكر، واختلطت بالدم، وجرت معه في العروق ولم تعد كلمة تُقال باللسان، ولا قضية تحتاج إلى جدل بل هي بديهة مستقرِّة في النفس لا يجول غيرها في حسٍّ ولا خيال. فقوَّة الله وحدها هي القوَّة، وولاية الله وحدها هي الولاية، وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل مهما علا واستطال، ومهما تجبَّر وطغى، ومهما مَلكَ من وسائل البطش والطغيان والتنكيل؛ فما هي إلا بيت العنكبوت. وإنَّ أصحاب الدعوات الخيِّرة الَّذين يتعرضون للفتنة والأذى والإغراء لجديرون أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الناصعة، ولا ينسَوْها لحظة وهم يواجهون القوى المختلفة تضربهم، وتحاول أن تسحقهم، وأخرى تستهويهم وتحاول أن تشتريهم، وكلُّها كبيت العنكبوت في حساب الله، وفي حساب العقيدة، حين تصح العقيدة، وحين تعرف حقيقة القوى، وتحسن التقويم والتقدير.
والله يعلم حقيقة الَّذين يستعينون من دون الله بأولياء من الأوثان والأصنام والجن والإنس، ويعلم حقيقة ما يوالون، وإنها في عجزها عن مساعدتهم ونصرتهم كمثل بيت العنكبوت في عجزه عن حماية صاحبه، والله عزيز في انتقامه ممَّن كفر به أو أشرك في عبادته، وهو الحكيم في تدبير خلقه، مهلكٌ من قضت حكمته تعجيل إهلاكه، وممهل من قضت حكمته إمهاله، تمكيناً له من التوبة والإنابة.