تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ـ إن دِقَّة صنع بيت العنكبوت وإتقان مظهره يلفتان النظر، حتَّى ليكاد الناظر إليه للوهلة الأولى أن ينخدع به، فيظنُّ به المتانة والمنعة، ولكنَّه سرعان ما يكتشف أنه لا يتعدَّى كونه مصيدة لذبابة أو بعوضة يقتات بها العنكبوت، وأن نسمة عليلة قد تمزِّقه وتذهب به أدراج الرياح، فما أدراك بعواصف الغضب الإلهي.

ـ تبارك الله في علمه وحلمه وتعليمه، وبورك قومٌ عقلوا وتعلموا عن الله، فصاروا من أوليائه المقرَّبين المخبتين.

في رحاب الآيات:

إنه لتصوير عجيب وعميق، لحقيقة قوى المخلوقات في هذا الوجود، تلك القوى الواهية كمثل بيت العنكبوت بالمقارنة مع قدرة الله تعالى، ومع هذا فقد ينخدع بها كثيرون ويتخذونها دعائم لهم وسنداً من دون الله، فيسوء تقديرهم لجميع القيم، ويفسد تصوُّرهم لجميع الارتباطات، وتختلُّ في أيديهم جميع الموازين ولا يعرفون إلى أين يتوجَّهون، وماذا يأخذون وما الَّذي يدعون. فقد تخدعهم قوَّة الحكم والسلطان، فيحسبونها القوة القادرة الفاعلة في هذه الأرض، فيتوجهون إليها بمخاوفهم ورغائبهم، ويخشونها ويفزعون منها، ويترضونها ليكفُّوا عن أنفسهم أذاها، أو يضمنوا لأنفسهم حِمَاها. وقد تخدعهم قوَّة المال فيحسبونها القوة المسيطرة على أقدار الناس وأقدار الحياة، ويتقدمون إليها في رغبٍ وفي رهبٍ، ويسعون للحصول عليها ليستطيلوا بها، ويتسلطوا على الرقاب كما يشتهون. وقد تخدعهم قوَّة العلم فيحسبونها أصل القوة، وأصل المال، وأصل سائر القوى الَّتي يصول بها من يملكها ويجول، ويتقدمون إليها خاشعين كأنهم عُبَّاد في المحاريب. تخدعهم هذه القوى الظاهرة في أيدي الأفراد وفي أيدي الجماعات، وفي أيدي الدول، فيدورون حولها ويتهافتون عليها، كما يتهافت الفراش على النار ليموت فيه! وينسون القوة القادرة الوحيدة الَّتي تخلق سائر القوى الأخرى، وتملكها وتمنحها وتوجِّهها وتسخِّرها كما تريد وحيثما تريد.

منهاج حياة · الصفحة ١١١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١١١٤