يولد الطفل وهو يحمل كثيراً من الاستعدادات الفطرية الطيِّبة والغرائز المزروعة في نفسه، وعندما ينمو ويترعرع تبدأ مرحلة اكتساب العادات من البيئة والمحيط، حيث تتكوَّن شخصيته متأثِّرة بالأب والأم بالدرجة الأولى، ثمَّ ببقية أفراد العائلة، وبعدها بالأساتذة والمربِّين، والأصحاب والأصدقاء، إلى غير ذلك من المؤثِّرات والنظم الاجتماعية المحيطة به. تلك النظم الَّتي قد تَتَّخِذُ مع مرور الوقت اتجاهاً خاطئاً، بعيداً عن جادَّة الصواب، بحيث يعتدي فيها القويُّ على الضعيف، ويبغي الظالم على المظلوم، ويعبث العابثون، ويفسق المترفون، فيبدأ المجتمع بالتفكُّك والانهيار.
ويرسل الله تعالى الرسل والأنبياء والمصلحين رحمة من لَدُنْه، ليعيدوا الخلائق إلى طريق الإيمان والخير والحبِّ والتعاون، ولكنَّ أكثر الناس كانوا يقابلون دعوات الرسل، بالاستغراب والاستنكار، لأنها كانت تبدو غريبة عما أَلِفُوه، وما اعتادوه من قِيَمٍ وعادات، وهنا يبدأ الصراع بين العقل والهوى، بين الإيمان والعادات. وأوَّل من كان يقوم بالمعارضة هم الأغنياء المترفون الَّذين أبطرتهم النعمة، وأعمتهم الشهوات والملاهي عن تحمُّل المشاقِّ في طلب الحقِّ، ويكون جوابهم التقليدي: إنا وجدنا أسلافنا على مِلَّةٍ ودينٍ، ونحن مقتدون بهم، هكذا دون تدبُّر أو تفكُّر في موضوع الدِّين الجديد، ولو كان أهدى ممَّا هم عليه وأجدى. وفي عرض هذه الصور في القرآن الكريم على هذا النحو تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ، ودلالة على أن هذا التقليد ضلال قديم، ومحاربة الدِّين الجديد أمر قد واجهه الرسل من قبله، وخصَّت الآية المترفين بالذكر للإيحاء بأن التَّرف غالباً ما يورث البطر، ويصرف عن النظر والتفكير المنطقي السليم، إلى المحاكاة والتقليد والإبقاء على الخطأ!.