إن القرآن الكريم يرسم تلك الصورة، ويعجب من أصحابها في استنكار شديد: ﴿أفرأيت من اتَّخذ إلهه هواه﴾؟ إنه كائن عجيب يستحقُّ التعجُّب من أمره، ويستحقُّ من الله الطرد والإبعاد، فلا يتداركه برحمة الهدى، لأنه ملأ قلبه بصنوف الهوى فلم يعد في قلبه مكان لسواها، وعكف يعبد هواه المريض، ونزواته الشوهاء، وهو يحسب أنه قد أحسن صُنعاً! قال أبو أمامة رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما عُبِدَ تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى» (أخرجه القرطبي). ذلك لأن الهوى إذا استبدَّ بالإنسان انطمست فيه منابع النور من سمع وبصر وقلب وعقل، وتعطَّلت المدارك الَّتي ينفذ الهدى من خلالها، فينحط المرء إلى ما دون البهائم، ويصبح أداة تخريب بدلاً من أن يكون أداة إصلاح وتعمير، لذلك قال صلى الله عليه وسلم : «ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، فالمهلكات شُحٌّ مطاع، وهوى مُتَّبع، وإعجاب المرء بنفسه، والمنجيات خشية الله في السر والعلن، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب» (أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر رضي الله عنه ) فاتباع الهوى من المهلكات لأنه الشرك الخفي بعينه، وهو الشرك الَّذي لا يمكننا الخلاص منه إلا بعون الله وقوة من لدنه، لنحطِّم أصنام تعلُّقاتنا، ولِنَحُدَّ من شهواتنا، ولنجعل قبلة قلوبنا ربَّ العالمين إلهاً معبوداً واحداً لا شريك له. قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لا يؤمن أحدكم حتَّى يكون هواه تبعاً لما جئت به» (أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والخطيب عن ابن عمر رضي الله عنه ) فما جاء به هو الحقُّ من الله، الَّذي يحمل الراحة للقلوب والنجاة للأرواح.
سورة الزخرف(43)