إن في النفس البشرية مجموعة قوى تمثل مجمل النوازع والميول والاتجاهات الَّتي تتصارع في داخلها. وهي من حيث الأصل متشابهة لدى جميع بني البشر حيث إنها مخلوقة على الفطرة، قبل أن تمتدَّ إليها المؤثِّرات الخارجية، لتتبلور ضمن صفات معينة، ولتسير في اتجاهات مختلفة، تختلف من إنسان إلى آخر ومن بيئة لأخرى. والشرائع السماويةلم تأتِ لمحاربة الميول النفسية، بل لتهذبها وتسير بها نحو الأفضل. وقد ينجرف الإنسان وراء بعض الميول المنحرفة بشكل قوي، ويتعلق بها حتَّى تصبح همَّه الأوَّل وشغله الشاغل، وتأخذ بكلِّ أحاسيسه فيتحوَّل إلى عبد لها، فلا يسمع إلا من خلالها ولا يرى إلا بها، ولا يعشق غيرها، ومن ثمَّ فإنها تقوده إلى أودية الهلاك بملء إرادته واختياره، فهو يدرك أنه سائر في طريق منحرفة، لكنَّه مشلول الإرادة، منهزم العزيمة أمامها، لا يلتزم حلالاً، ولا يجتنب حراماً. والتعبير القرآني المبدع يرسم صورة دقيقة لنموذج من النفس البشرية الَّتي تترك الأصل الثابت، وتتبع الهوى المتقلِّب، وتتعبد في محراب الهوى، وتجعله مصدر تصوُّراتها وأحكامها ومشاعرها وتحركاتها، وتنصِّبه إلهاً قاهراً لها، مستولياً عليها، تتلقى إشاراته المتقلِّبة بالطاعة والتسليم والقبول.
منهاج حياة · الصفحة ١١٠٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ١١٠٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي