ذلك هو مثل الحقِّ والباطل في هذه الحياة، فالباطل يطفو ويستكبر ولكنَّه زبد لا يلبث أن يذهب جُفاءً مطروحاً لا ثبات له ولا تماسك فيه، والحقُّ يظلُّ هادئاً ساكناً، وربَّما يحسب بعضهم أنه قد انزوى أو ضاع، ولكنَّه هو الباقي في الأرض كالماء المحيي، والمعدن الصافي الَّذي ينفع الناس. فقد تطرب الآذان وتتطاول الأعناق نحو شعارات أو دعوات تحمل مظهراً حضارياً مغرياً يخطف ببريقه الأبصار، ولكن إذا ما عايَنْتَ حقيقتها، وكَشَفْتَ القناع البَرَّاق عنها، فسُرعان ما ينكشف لك زيفها واشتمالها على ما يفقد الإنسان إنسانيته، فتنبذها وتلقي بها بعيداً، وتبحث عمَّا يحقِّق لك السعادة الحقيقية. ومثال ذلك الدعوات المسعورة الَّتي تدعو إلى التهتُّك والإباحية، والَّتي تنطلق من هنا وهناك، والَّتي يتوهَّم المرء أنها تحمل له الحرِّية والسعادة، فيفاجأ بأنها تنطوي على الانحلال الخلقي، والتفلُّت من كلِّ فضيلة، ناهيك عن الأمراض المهلكة الَّتي تقدمها له كهدية مفجعة. في الوقت الَّذي يتوهَّم فيه أن للفضيلة والعفَّة قيوداً تأسره وتحُدُّ من متعته وحريته، فإذا هي في حقيقتها نظام يحمل له السَّلامة والأمان، وإن الالتزام بها والانقياد لها، كالتزام القطار سكَّة الحديد، ففي ذلك ضمان وصوله إلى غايته سالماً محقِّقاً الغاية من وجوده، ولو حاول الانعتاق من قيدها لكان في ذلك هلاكه وهلاك من فيه. إن المفكر الحرَّ والعاقل الرشيد عندما تنكشف له هذه الحقيقة، يشيح بوجهه عما كان يرغو ويزبد ثمَّ يتلاشى ويزول، ويتجه ليمسك بيده المعدن الأصيل الثمين.
منهاج حياة · الصفحة ١١٠٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ١١٠٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي