هذه هي نظرية الإسلام الأخلاقية، التعامل فيها أوَّلاً وأخيراً تعامل مع الله، يراعي فيه العبد رضا ربه، ويتجنَّب سخطه، وبذلك يضمن الإسلام تطلُّعَ البشرية الدائم إلى الأفق الأعلى، لتستمدَّ منه القيم العليا والمبادئ المُسعدة، ومن ثمَّ يشير إلى أن الَّذين يخونون الأمانة وينقضون العهد، إنما يقطعون الصلة بينهم وبين الله، قبل أن يقطعوها بينهم وبين الناس، ولو أنهم حكَّموا عقولهم، لوجدوا أنفسهم قد استبدلوا بخزائن الله الواسعة والمُلك الَّذي لا يبلى؛ متاعاً من الدنيا قليل. لذا فلا نصيب لهم في الآخرة من عفو ولا مغفرة، جزاء استهانتهم بعهد الله تعالى، واستخفافهم في تعاملهم مع عباده، دون أن يلحظوا غيرة الله على عباده، وحرصه أن لا يُستَغَلَّ اسمه جلَّ وعلا في خداع هؤلاء البسطاء والمستضعفين.
سورة البقرة(2)
قال الله تعالى: ﴿ومن النَّاسِ مَن يُعجِبُكَ قولهُ في الحياةِ الدُّنيا ويُشهِدُ الله على ما في قلبهِ وهوَ ألَدُّ الخِصامِ(204) وإذا تَولَّى سَعى في الأرضِ ليُفسِدَ فيها ويُهلِكَ الحَرثَ والنَّسلَ والله لا يُحبُّ الفَسادَ(205) وإذا قيلَ لهُ اتَّقِ الله أخَذَتْهُ العِزَّةُ بالإثمِ فَحَسبُهُ جهنَّمُ ولَبِئسَ المِهاد(206)﴾
ومضات:
ـ هناك صنف من الناس يتمتَّع بفصاحة وبلاغة ولسانٍ طيِّعٍ يدهش من يستمع إليه، لكنَّه يستعمل هذه النِّعَم للخداع ببراعة ومكر، فيُظْهِرُ الصداقة والمودَّة للمؤمنين، بينما يُكِنُّ لهم عداوةً وحقداً بالغَيْنِ، ويتجرَّأ على الله بالقسم بعزَّته؛ من أجل عرض من الدنيا قليل، ولا يخطر بباله أن الله تعالى عالم به، ناظر إليه، قادر على أن يفضحه.
ـ هذا الصنف من أكثر الناس سوءاً وفساداً، لأنه يسخِّر ذكاءه وقدراته من أجل بَثِّ الفتن والفساد، ونشر الضغائن بين الناس. لذلك فهو محروم من محبَّة الله، لأنه جعل نفسه في قائمة المفسدين، والله يحبُّ الإعمار والبناء، ويكره التخريب والإفساد.