وأفضل الأوقات الَّتي يمكن للمرء أن يكتشف فيها حقيقة نفسه، ويدرك مواطن ضعفها، أوقات الفقر أو المرض أو المعاناة. حيث يتبيَّن مقدار عجزها وضعفها وعظيم حاجتها إلى الله القوي القادر، فيضرع إليه بالدعاء والرجاء، ليكشف عنه الكرب، ويعجِّل له بالفرج والرزق، مُطْلِقاً العنان للسانه بالوعود السخيَّة والعهود الوثيقة، على الطاعة والتسليم، والقيام بكلِّ أعمال البرِّ والصلاح. فإذا استجاب الله تعالى له وأمدَّه بالعون وأوسع عليه من رزقه، وكان من أصحاب الإيمان واليقين، زكت نفسه وازدادت جمالاً وصفاءً، فبرَّ بوعوده معترفاً لله بفضله وجميل صنعه فأحسن العمل، ووضع المال حيث أمره الله تعالى أن يضعه، وهو موقن بأن هذا المال وديعة في يده وأمانة في عهدته. أمَّا إذا كان من أهل الزيغ والنفاق، فإن المال يضلُّه ويعمي بصيرته عن حقيقة نفسه، فينسى ضعفه، وتَلُفُّ به دوَّامات الوهم وتيَّارات الغرور والاستعلاء، حتَّى يظن في ذاته القدرة على الاستغناء؛ فيتنكَّر لفضل الله تعالى، وتتنامى في داخله مشاعر الجحود والإعراض، وتنمو بذور النفاق، وتطرح ثماراً سامَّةً فتَّاكة تودي بحياة صاحبها الروحية والمعنوية. ولا تزال تلك النبتات المتنامية تعمل فتكاً وتخريباً، حتَّى تأتي على البقية الباقية منه، وهو في غفلة عنها؛ فيتناسى وهو في أحضان النعيم، لحظات ضعفه وتضرُّعه إلى الله تعالى، وجملة الوعود الَّتي أطلقها في حينها، ويتجاهل أن الله هو المعطي، وأن ما حصل عليه من رزق، لم يكسبه بذكائه أو علمه أو تعبه فحسب، بل إن وراء ذلك كلِّه قوَّة إلهية هيَّأت له الأسباب والمسببات، فالعقل منحة من الله، والقوة هبة من هباته، والصبر بعض آلائه. فيدفعه ذلك النفاق إلى البخل بما أعطاه الله، فيمنع الفقراء حقوقهم، ويسيطر عليه القلق والخوف من الفقر، فيقبض يده عن الإنفاق ويستأثر بالمال لنفسه، ويُخَيِّلُ إليه غروره أنه يستطيع أن يهرب من قبضة الله،
منهاج حياة · الصفحة ١٠٩٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ١٠٩٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي