تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المؤمن في انسجام كامل بين ظاهره وباطنه، بين قلبه ولسانه، بين فطرته وسلوكه، وبالتالي بين قوله وفعله، وهذا الانسجام يجعله ملتزماً بأحكام الدِّين بينه وبين نفسه، وبينه وبين الآخرين، فلا ازدواجية، ولا تناقض لديه، ولا ضعف يدفع به إلى مجالسة الخائضين والمستهزئين بشريعة الله، فكما أنه لا يبيح لنفسه أن يجترئ على حدود الله، فهو كذلك لا يسمح لغيره أن يُقْدِمَ على ذلك بحضوره، فإذا وُجِد في مجلس تُنتهك فيه حرمات الله، ويُستهزأ بالعقيدة ويُغَضُّ من قدر الدعاة إلى الله، وتُنهش أعراض غيره، فلا يجوز له أن يبقى فيه، لأنه يُعدُّ شريكاً لأصحابه في الإثم والمعصية، ويَطالُه عقاب الله كما يطالهم. والأَوْلى لمن يغار على دينه أن ينسحب من المجلس مُشعراً القوم أنه غير راضٍ عما يفعلون، ولا يحقُّ له أن يسايرهم أو يسامرهم، أو يشاركهم في المأكل والمشرب مدَّعياً المهادنة، والمسايرة، ولين الجانب، وسعة الصدر، فليس هذا موضع تلك الأخلاق. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان أشدَّ الناس حلماً وعفواً إلا أن تنتهك حرمات الله، فكان من أشدِّ الناس غضباً لله. والحكمة من النهي ظاهرة جليَّة، فالجلوس مع أمثال هؤلاء يغريهم بالتمادي فيما هم فيه، ويوحي بالرضا به والمشاركة فيه. فإذا خاض القوم في حديث آخر لا مساس له بالعقيدة، فلابأس بالجلوس معهم ومحادثتهم، في محاولة للبحث عن النقاط الإيجابية البنَّاءة لتعزيزها وتنميتها والاستفادة منها، بغية الوصول إلى نقاط إيجابية أخرى تضيِّق الشُّقَّة بين المؤمن الحقيقي وغيره بوصفها خطوة نحو الأمام على طريق هدايته.

منهاج حياة · الصفحة ١٠٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١٠٩٦