ولا تزال هذه الصورة تتكرَّر، ويبنى مثل هذا المسجد حتَّى يومنا هذا، على أشكال تلائم تقدُّم الوسائل الخبيثة الَّتي يتَّخذها أعداء هذا الدِّين، وكلُّها تظهر في صورة نشاط بريء ظاهره مصلحة المسلمين وخدمتهم، وباطنه أبعد ما يكون عن ذلك. فمسجد الإسلام هو مسجد الفئات المتحابَّة المتراصَّة المتراحمة، الَّتي تعانقت قلوبها على حبِّ الله وطاعته، إنه مسجد اللُحْمَةِ المتماسكة والوحدة بأكمل صورهما، ويبقى هذا المسجد شامخاً بنيانه، متيناً أساسه إلى قيام الساعة، لأنه شُيِّدَ على أسس قوية ودعائمَ راسخةٍ من حبِّ الله وإقامة شعائره، وتأليف قلوب المسلمين، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. ورواد هذا المسجد رجال مؤمنون عابدون، طهَّروا أنفسهم بدموع الخشية من الله، وزكَّوها بنور الذكر والقربى إلى الله، وتجاوزوا شهواتهم في سبيل الوصول إلى خالقهم، فهؤلاء يحبُّون الله ويحبُّهم الله، وإنَّ هذا التفاعل يُتَرْجَم في أخلاقهم وسلوكهم وأعمالهم وأقوالهم ومعاملاتهم مع الجميع. أمَّا مسجد التفرقة والنفاق فهو ركام شُيِّد فوق ركام، ينهار تحت أوَّل ضربة معول تُوَجَّهُ إليه ليصبح هباءً منثوراً، وكأنما بُنيَ على طرف مكان شاهق أرضه رملية غير متماسكة، فلا يكاد يرتفع حتَّى يتداعى وينهار، فهو محكوم عليه بالسقوط قبل بنائه، وهذا السقوط مادي ومعنوي، فالأوَّل هو انهيار بنائه، والثاني دخول أفراده جهنم، ليَصْلَوا نارها، هم ومن وراءهم، من المنافقين والمغرضين، أعداء الحقِّ الَّذين سلكوا طريق الغواية، وابتعدوا عن طريق الهداية.
سورة النساء(4)
قال الله تعالى: ﴿وقد نزَّلَ عليكُم في الكِتابِ أنْ إذا سمعتُمْ آياتِ الله يُكْفَرُ بها ويُسْتَهْزَأُ بها فلا تَقْعُدوا معهُم حتَّى يخوضوا في حديثٍ غيرِهِ إنَّكم إذاً مثْلُهُم إنَّ الله جامِعُ المنافقينَ والكافرينَ في جَهنَّمَ جميعاً(140)﴾
سورة الأنعام(6)