وتعود الآية الكريمة مرة أخرى إلى ذكر النفاق والمنافقين، لنَحْذرهم أكثر من الكفَّار، لأنهم أشدُّ ضرراً وأذى، فالكفَّار لم يُخفوا كفرهم وعداوتهم، ولم يدلسوا على الآخرين، بينما المنافقون استهانوا بأوامر الله، واستهزؤوا بدينه، وخدعوا القائمين على أمر الأمَّة، وعاشوا بوجهين، فهم أشدُّ مقدرة على إيصال الأذى إلى شرايين المجتمع الإسلامي لأنهم يعيشون ضمنه، ويتصرَّفون وكأنهم منه، لذا كان عذابهم أشدَّ وأمضى، وهم في الدرك الأسفل من النار حيث منتهى التعذيب الإلهي.
أما النوع الثاني وهو النفاق السلوكي فهو ما حدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كشف النقاب عنه تَبْصِرَةً للناس فقال: «ثلاث من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (أخرجه البخاري وأحمد عن ابن عمر رضي الله عنه وأخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ) فالكذب جبن، وإخلاف الوعد مراوغة، والخيانة غدر ونذالة، ولا يمكن أن تجتمع مثل هذه الصفات في قلب مؤمن بالله عاشق له ومنتسب إلى حضرته. وما تفشَّت هذه الأخلاق في مجتمع متماسك، إلا مزَّقته وقوَّضت أركانه وفرَّقت شمله، فيصبح لقمة سائغة بأيدي الطامعين المخرِّبين.
وفي الختام يبيِّن الله سبحانه وتعالى لنا أن أبواب المغفرة مازالت مفتوحة، وطلبات القبول الصادقة مقبولة؛ فليبادر من أسرف على نفسه إلى الدخول في رحاب الله، وليصلح ظاهره وباطنه، فيجعل قلبه ولسانه سواءً، ويُنقِّي يقينه من الشرك، وعبادته من الشوائب، فإذا تمَّ له ذلك أُدرج اسمه في قائمة المؤمنين الأبرار، الَّذين سيعطيهم الله من الأجر والثواب ما يتفق مع سعة كرمه وعظيم سلطانه.
سورة التوبة(9)