وقد كان همُّ هؤلاء المنافقين منحصراً في الحفاظ على المكاسب الدنيوية، لذلك كانوا يحاولون كسب وُدِّ المسلمين أملاً في مستقبل يحقِّق لهم النصر ويصون مصالحهم ومكاسبهم، ولكنَّهم كانوا في الوقت نفسه يمالئون أعداء الله، ويواصلونهم سراً ويُطلعونهم على أسرار المؤمنين، حفاظاً على خط الرجعة، ولتبقى مصالحهم أيضاً مصونة في حال انتصار الكفَّار على المسلمين، حسبما يوهمهم الشيطان ويزيِّن لهم. ومن هنا نستطيع أن نتصوَّر تذبذبهم وتأرجحهم بين الفريقين، وقد أعماهم حبُّ ذواتهم عن إدراك الحقِّ والبقاء إلى جانبه، فإذا كسب الكفار جولة انتسبوا إليهم، وإذا انتصر المسلمون انحازوا ظاهراً إليهم. وبذلك اختاروا لأنفسهم طريق الغواية والضلال، فكان مصيرهم الخسران والوبال، وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وأبصارهم، فاختلطت عليهم الأمور وفقدوا القدرة على التمييز.
وتتابع الآيات الكريمة تحذيرنا من محاباة الكفار، وإلقاء الود إليهم، والتعامل معهم على أنهم ولاة لنا من دون المؤمنين، وكأنها تصوِّر حال المجتمع الإسلامي المعاصر، فهو منقاد اقتصادياً وسياسياً وفكرياً وعسكرياً وأخلاقياً للمجتمع غير المسلم، الَّذي يجهد نفسه لإبقاء مجتمعنا مجتمعاً ممزقاً متخلِّفاً فقيراً، يستنزف ثرواته وطاقاته ليحوِّلها إلى أسلحة فتاكة تُغمد في صدور أبنائنا؛ حيث يشهرونها في وجوه بعضهم بعضاً، وكأن بصائرهم قد عميت، على الرغم من أن كتاب الله بين أيديهم يُحذِّرهم.