وتأتي الآيات الكريمة لتكشف حقيقة أمرهم، ولتظهر زيف إيمانهم، ولتقرر بأنهم غير مؤمنين، بل هم قوم مخادعون لله وللدعوة وللمؤمنين كافة، وأنهم من الغفلة بحيث لا يخدعون إلا أنفسهم، وهم لا يشعرون بأن الله تعالى عليمٌ بخداعهم، وأَنْ لا سبيل لهم على المؤمنين فهم في رعايته وحفظه.
إن هذه الفئة من الناس قد استفحل في قلوب أفرادها المرض، واستقرَّت فيها علل خبيثة؛ فالقلب هو ملتقى المدارك والإرادات في الذات الإنسانية، ومرضه هو التشتُّت في حقل الأهواء، وانقياد الجوارح لسلطة الغرائز، ممَّا يَخْرُجُ بالإنسان عن حدِّ الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، ويحيد به عن الطريق المستقيم، ثمَّ يودي به إلى الهلاك الروحي، ممَّا يجعله محلاً لمقت الله، مستحقاً لما يتفاقم فيه من العلل والآفات.
ومن كمال حكمة الله جلَّ جلاله أنه يُعبِّر عن جرائم المنافقين بصفة المرض، فكأنه يريد أن يجعل من المسلم الداعية طبيباً يعالج أمراض الناس، وليس قاضياً يحاكمهم ويدينهم. فالبحث عن العلَّة والشروع بالعلاج أمرٌ لا بدَّ منه، لأن المرض يبدأ هيِّناً ثمَّ يستفحل ويصبح مستعصياً. وقد بيَّن الله تعالى أن سبب عذاب هؤلاء المنافقين هو كذبهم الَّذي لا مبرِّر له، للتحذير من الكذب وإظهار آفاته؛ لأنه ما فشا في أُمَّة إلا كثرت فيها المفاسد، وشاعت فيها الجرائم، فهو مصدر كلِّ رذيلة ومنشأ كلِّ كبيرة.. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرَّى الكذب حتَّى يكتب عند الله كذَّاباً» (أخرجه الستة).