هذه هي الثمرة الطبيعية لدعوة المسيح عليه السَّلام وروحها السمحة، وتطهُّرها الروحي، فالرأفة والرحمة ظاهرة واضحة في سلوك المؤمنين حقيقةً برسالته مِمَّن أحسنوا اتِّباعه. لكنَّ بعضهم ابتدع الرهبانية ابتغاء رضوان الله، وابتعاداً عن أوضار الحياة وأوساخها، وتبتُّلاً إلى الله، وإخباتاً له، لم يفرضها الله عليهم ابتداءً، ولكنَّهم حين اختاروها وأوجبوها على أنفسهم، صاروا ملزمين أمام الله بأن يراعوا حقوقها، ويحافظوا على مقتضياتها من تطهُّرٍ وترفُّع وقناعة وعفَّة، وذكر وعبادة، ممَّا يحقِّق في أنفسهم حقيقة التجرُّد لله الَّتي قصدوها بهذه الرهبانية. إلا أن أغلبهم فيما بعد لم يستطيعوا الحفاظ على هذه القِيَم الروحية، بل ابتعدوا عنها إلى متاهات المصالح الشخصية، وإلى سراديب الدنيا ومتاعها، وانتهت إلى أن أصبحت طقوساً وشعائر خالية من الروح، وقد اتخذها كثير منهم مظهراً عارياً عن الحقيقة، فلا يصبر على تكاليفها إلا عدد قليل. أخرج أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشدِّدوا على أنفسكم فيُشَدَّدَ عليكم، فإن قوماً شدَّدوا على أنفسهم فَشُدِّد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات».
وهكذا آتى الله تعالى الَّذين صدقوا منهم إيماناً صحيحاً طُبعت آثاره في أعمالهم، فزكَّوا نفوسهم، وأخبتوا لربِّهم، وأدَّوا فرائضه، وسيؤتيهم أجورهم كاملة. وأمَّا الَّذين فسقوا عن أمر الله، واجترحوا الآثام، وظهر فسادُهم فقد باؤوا بغضب من الله، ولهم عذاب عظيم. فالله جلَّ وعلا لا يأخذ الناس بالمظاهر، ولا بالطقوس، وإنما يأخذهم بالعمل والنيَّة، ويحاسبهم على حقيقة الشعور والسلوك، وهو الَّذي يعلم خبايا القلوب، وخفايا الصدور.
الفصل السادس:
صفات المعرضين عن الدعوة
سورة البقرة(2)