ـ توالت الرسل والرسالات حتَّى ظهر المسيح عليه السَّلام حاملاً الإنجيل المقدَّس، فانجذبت إليه أفئدة الحواريين ومن اتَّبَعَهم بالرحمة والحنان. ثمَّ انقطع بعض أتباع السيِّد المسيح إلى العزلة والخلوة والعبادة والتَبَتُّل بشكل مُفْرط ومُبْتَدَعٍ من عند أنفسهم، رغبةً منهم في جلاء قلوبهم والاستزادة من رضا الله بهذه الطريقة، ولكنَّهم أتعبوا أنفسهم بهذا الالتزام، وأتعبوا مَنْ وراءهم، ولم يتمكن إلا القليل منهم من متابعة المسيرة بصدق وعزيمة، فمن ثبت منهم نال أجره، ومن تخاذل وتهاون فقد بَعُدَ عن طريق الله في حقيقته ولو كان مظهره ينمُّ عن غير ذلك.
في رحاب الآيات:
لقد جاء السيِّد المسيح عليه السَّلام في زمن انغماس الناس في المادِّيات بشكل مفرط، فكان لابدَّ من عطاء روحي سماوي متميز، لينشئ في قلوب الناس من جديد، التوازن بين المادَّة والروح، بين القلب والقالَب. وهكذا كان، حيث أفاض الله سبحانه وتعالى على قلوب أتباع السيِّد المسيح، الرقة والحنان، والرأفة والرحمة، فاكتسبوا روحانية شفافة عذبة، أنستهم عالم المادِّيات، وشَدَّتْهم إلى عالم السماء والتجلِّيات الإلهية، فعزفوا عن متع الحياة المباحة، وعزلوا أنفسهم في صوامع وأديرة، وقلوبهم مفعمة بالطرب والسرور، مُشعَّة بالنور والصفاء.