وبعد أن تُبيِّنَ الآيات الكريمة الطريق إلى الإيمان الحقيقي، تسلِّط الضوء على مرض فئة من الناس اتخذت من الدعوة إلى دين الله حرفةً ووسيلة لها، كي توصلها إلى النفوذ والشهرة، وتحقِّق لها مآرب وغايات دنيوية؛ تلك الفئة الَّتي أتقنت دورها فراحت تمارس التمثيل المقنع، وتوجِّه النُّصح للآخرين، لتبدو بمظهر المصلح النبيل، في الوقت الَّذي لا تلتزم شخصياً بما تأمر به، فكانت أفعالها تناقض الفكر الَّذي تدعو إليه وتقوِّض أركانه. وإذا تفشَّى هذا المرض في أوساط الدعوة إلى الدِّين، فإنه يصبح بالغ الخطورة لأن الدعوة إليه قولاً ومخالفتَهُ سلوكاً من قِبَلِ الداعين إليه، لا تقود الناس إلى الشَّكِّ بالدعاة وحدهم فحسب، بل إلى الشكِّ بما يدعون إليه أيضاً، فيتزعزع إيمانهم وتتشتت أفكارهم، لأنهم يسمعون قولاً جميلاً، ويشهدون فعلاً قبيحاً،?فيفقدون الثقة برجال الدعوة كافَّة، الصادقين منهم والمدَّعين، والمخلصين منهم والمنافقين، وربَّما تولَّدت الريبة في قلوبهم تجاه الدِّين ذاته ومدى مصداقيته وصلاحه.
ولذلك كلِّه فقد أعدَّ الله لهؤلاء المسيئين عقاباً شديداً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مررت ليلة أسري بي على قومٍ تُقرض شفاههم بمقارض من نار. قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء أُمَّتك من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبرِّ وينسَوْن أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون؟» (رواه أحمد في مسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه ). وأخرج ابن أبي الدنيا عن الإمام علي ـ كرَّم الله وجهه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به، لم يزل في سخط الله حتَّى يَكُفَّ أو يعمَلَ ما قال ودعا إليه».