وينبغي على من يؤمن بالله تعالى وكتبه ورسله أن لا ينافق ولا يخلط الحقَّ بالباطل، طمعاً في اكتساب غنائم دنيوية آنية زائلة، لأنه لن يحصِّل إلا ما قدَّر الله له. فما لهؤلاء القوم أعمتهم بعض المكاسب والملذَّات الدنيوية يستبدلونها بهداية الله، ويحرِّفون كلامه، ويُضِلُّون به الكثير من الناس، لا ورع يثنيهم ولا تقوى تردعهم. بل إن منهم من يرتدي مسوح الصالحين ليشوِّه الحقائق ويفسد في الأرض، متناسياً قدرة الله عليه، فيكتم الحقَّ طمعاً في تحقيق مأرب، أو خوفاً من فوات مصلحة.
وتتعاقب الآيات الكريمة لتدعو اليهود خاصَّة، والناس عامَّة، للسير مع موكب الإيمان، بالتوجه الصادق إلى الله تعالى من خلال أداء العبادات، وعلى رأسها الصَّلاة والزَّكاة، لأن الصَّلاة ترقى بهم لتصل أرواحهم بالله تعالى؛ فتتهذَّب نفوسهم وتتطهَّر من أمراضها ورذائلها. وهذا يتطلَّب حضور القلب، والشعور المهيمن بعظمة الله وجلاله، لأن الصَّلاة هي صلة العبد بخالقه، ومناجاة الإنسان الضعيف العاجز، لله القوي القادر، فهي تقصِّر المسافات وتَرفع الحُجُب، وتُشعر العبد بقربه من الله فيستمدُّ الطمأنينة والعزيمة، ويمضي في الطاعة دون تردد ولا وهن. والصَّلاة الحقيقية، الَّتي تجمع بين حركات الجسد وحضور القلب والإحساس بجلال الله، تنتشل النفس ممَّا غرقت فيه من السَّعي وراء مادِّيات الحياة ومشاغلها دون الانقطاع عنها، وتسمو بها إلى الملكوت الأعلى حيث تخضع وتتواضع لحضرة الله وعظمته، ممَّا يضفي عليها السكينة والرضا، ويجعلها في حالة مستقرة من السعادة والتسليم.