وعلى الرغم من أن ظاهر الخطاب يخصُّ بني إسرائيل وحدهم، ويدعوهم لتَذكُّر نِعَم الله الجليلة عليهم، إلا أنَّ مدلول الآية يتَّسع ليشمل بني آدم كلَّهم في كلِّ زمان ومكان، حيث يريد الله تعالى من الناس جميعاً أن يذكروا آلاءه ونعماءه عليهم، والَّتي لا تُعدُّ ولا تُحصى، سواء ما كان منها نعماً مادِّية كالغذاء واللباس، أم غير مادِّية كالقوَّة والموهبة والقدرة على التأثير في الآخرين والتفاهم معهم، أو كان نعماً روحية كالبصيرة والقدرة على التمييز بين الحقِّ والباطل، وعليهم أن يوظِّفوها بحكمة واعتدال من أجل سعادتهم في الحياة الدنيا والآخرة.
وحيث أن الله عزَّ وجل لا يُخْلِفُ وعده للمؤمنين، ولا يُضيع أجر من أحسن عملاً، بيده مقاليد الأمور كلِّها، وهو المتصرِّف بكلِّ شيء، إن أراد بعبد خيراً فلن يستطيع أهل الأرض قاطبة أن يمنعوه، وإن أراد به ابتلاءً أو امتحاناً فما هم بقادرين على أن يصرفوه؛ فإنَّ هذا كلَّه يوجب على الإنسان أن يفي بعهده له فيعبده ولا يشرك به أحداً، ويخلص له الطاعة، ويؤمن بكتبه السماوية كلِّها، لأنها سلسلة واحدة متَّصلة لا تنقطع. فالقرآن جاء مصدِّقاً ومؤيِّداً وداعياً لعموم ما جاء في التوراة والإنجيل والكتب السماوية المنزَّلة على الرسل الكرام؛ كالدعوة إلى توحيد الخالق جلَّ جلاله، وترك الشرك ومظاهره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبعد عن الفواحش، قال تعالى: ﴿قلْ إنَّما حرَّمَ ربِّيَ الفواحِشَ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ والإثمَ والبغيَ بغير الحقِّ وأن تُشرِكوا بالله ما لم يُنَزِّلْ به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ (7 الأعراف آية 33) وكذلك الدعوة للأخلاق والفضائل، وعرض سِيَرِ الأنبياء والحثِّ على الاقتداء بهم، قال تعالى: ﴿أولئك الَّذين هَدى الله فبهُداهُمُ اقتَدِه..﴾ (6 الأنعام آية 90).