وعلى هذا، فالدِّين طاقات دافعة، وقيم خُلُقية موجِّهة، لا يمكن للإنسان أن يستغني عنها لما لديه من غرائز طبيعية، واستعدادات نفسية فطرية تعتمل بداخله، وتؤثر على مجرى سلوكه، فإذا تُركت بلا حدٍّ ولا قيد، نزعت إلى الشرِّ وجنحت بصاحبها إلى الضلالة والخطأ. والدِّين وحده، بعقائده وشرائعه وآدابه، هو الَّذي يطهِّر النفوس من النقائص، ويهذِّب الغرائز ويوجهها لما فيه خيرها وبرُّها، وهو الَّذي يطرد وساوس الشيطان، ويقود إلى محبَّة الخير وكراهية الشرِّ، وهو الَّذي يفجِّر في النفس مشاعر الرحمة والعطف والتواضع، فيهيمن على المؤمن سلطان رقابة الله عزَّ وجل، الَّتي تقوم بدورها في إيقاظ الضمير وتوجيهه. فالضمير هو الشعور النفسي الَّذي يقف من المرء موقف الرقيب يحثُّه على أداء الواجب، وينهاه عن التقصير فيه، ويحاسبه بعد أداء العمل، فيكون بمثابة الميزان الَّذي يزِنْ به أعماله بعد أدائها، فإنْ عَمِلَ حسنة سرَّته، وإن اقترف سيئة ساءته.
إن هذه الفضائل مجتمعة هي الَّتي تكفلت بإيجاد فرد مهذَّب، وأسرة سعيدة، ومجتمع فاضل، وحضارة راقية تمتد جذورها في عُمق الزمان، وهي غاية جميع الشرائع السماوية اَّلتي جاء بها الأنبياء، وجوهرها عقيدة التوحيد، والانقياد والخضوع لإرادة المولى عزَّ وجل، وإن اختلفت في بعض التكاليف وصور الأعمال.
وإذا كان بعض أهل الكتاب قد خالفوا دينهم الحقَّ فما مردُّ ذلك إلا إلى الطمع في نيل الحظوظ، والرغبة في التسلط والظلم والاعتداء؛ لأنَّ اختلافهم لم يكن عن جهل بحقيقة الأمر، فقد جاءهم العلم القاطع بوحدانية الله، وتفرُّده بالألوهية، وعلمه بالطبيعة البشرية، وأحقيَّته بالعبودية، لذلك سمَّى الله تعالى خروجهم عن حقيقة التوحيد كفراً.