ولكنَّ أهل الكتاب ليسوا سواءً في هذا، فمنهم طائفة عادلة متَّزنة تتَّبع الحقَّ، وتفتح عقلها وقلبها لاستقباله، وتُنْزِلَه من نفسها أعلى منزلة، قال تعالى: ﴿ومن قومِ موسى أمَّة يَهْدونَ بالحقِّ وبه يَعْدِلُون﴾ (7 الأعراف آية 159) فهي تسعى بذلك إلى شد الروابط الإنسانية ووحدة البشرية، وإعمار الأرض بالعلم ومكارم الأخلاق، وهؤلاء لهم رضوان من الله ورحمة. ومنهم فئة أعرضت عن إعمال عقلها، أو توجيه فكرها نحو حقيقة الوجود البشري وسبل هدايته إلى حضرة الله، فأساءت بعملها إلى أجيال بكاملها، وقد بعدوا عن طريق الهداية، إلى نُظُمٍ وعقائدَ أثبت الواقع زيفها وعقمها.
سورة آل عمران(3)
قال الله تعالى: ﴿وإنَّ من أهلِ الكتابِ لَمَن يُؤمنُ بالله وما أُنزِلَ إليكُم وما أُنزِلَ إليهم خاشعين لله لا يشترونَ بآياتِ الله ثمناً قليلاً أولئكَ لهم أَجْرُهُم عند ربِّهم إنَّ الله سريعُ الحسابِ(199)﴾
ومضات:
ـ نعثرُ بين صفوف الكتابيين (اليهود والنصارى) على من يؤمن بوحدانية الله، ويقرُّ بصدق جميع الرسالات والكتب السماوية بما فيها الإسلام، فلا يبخسها قيمتها وقدرها، ويخشى الله تعالى ولا يحيد عن تعاليمه، وسيجزل الله تعالى لهذا وأمثاله الفضل والعطاء.
في رحاب الآيات:
نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه الَّذين آمنوا بالنبي محمَّد صلى الله عليه وسلم وصدَّقوا به، فعن جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس رضي الله عنهم أنه لمَّا مات النجاشي نعاه جبريل عليه السَّلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأصحابه: «قوموا فصلُّوا على أخيكم النجاشي» (أخرجه البخاري ومسلم والبيهقي) فقال بعضهم لبعض: يأمرنا أن نصلِّي على عِلجٍ من عُلوجِ الحبشة، فأنزل الله تعالى الآية.