فالشرع الإسلامي جاء مؤيِّداً لما سبقه من الشرائع الإلهية، والقرآن جاء مصدِّقاً لما قبله من الكتب السماوية، ولو أن أهل الكتاب آمنوا به، واستسلموا الاستسلام المطلق لشريعة الله، لكفَّرَ الله عنهم ما فعلته أيديهم من تحريفٍ لكتبه، ولأفاض عليهم من نعيمه ونعمائه ما لا يحيط به حدٌّ، ولا يحصيه العدّ. والقرآن يحاور أهل الكتاب حواراً هادئاً ترغيبياً ليصل بهم إلى شاطئ الأمان، وكأنه يقول لهم: إذا شقَّ عليكم اتِّباع ما جاء به رسول الإسلام، فاتَّبِعوا ما جاء به أنبياؤكم من الحقِّ، ولكن على صورته الأولى الَّتي كان عليها قبل أن تمتد إليه يد التحريف والتشويه، فإن فعلتم هذا، سَهُل عليكم تفهُّم رسالة الإسلام، فما الإسلام إلا صفحة في كتاب الوجود الَّذي صاغته يد الخالق منذ الأزل وإلى الأبد، ولن تجدوا فيه أي تناقض مع جوهر الرسالات الَّتي سبقته، بل هو تكميل لها، وتصحيح لما أدخله عليها المغرضون من العبث والفساد وتجديد لشبابها. إنها معاملة من نوع فريد، والنفع فيها عائد في الحالتين على المخلوق لا على الخالق، فهو الغني عن عباده، وهو الكامل الَّذي لا يرتضي لهم إلا التدرُّج والرقي في معارج الكمال.
ثم يذكِّر الله تعالى أهل الكتاب بما فعلوا، وكيف فرَّطوا في تنفيذ أوامره، ولم يتَّبِعوا النور الَّذي أنزله عليهم عن طريق أنبيائه وكتبه، وكلمة تنزيل تعبِّر عن قداسة المُنزَّل وضرورة التقيد به، وإحلاله المكانة الَّتي يستحقُّها، ولو أنهم فعلوا ذلك لفاض عليهم الخير من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولفتح الله عليهم أبواب السعادة، ولوهبهم جنَّتين: جنَّة الأرض، وهي السَّلام والأمن والحياة الرغيدة ـ وهذا منتهى ما يطلبه الإنسان في هذه الدنيا العاجلة ـ وجنَّة الآخرة، وهي رضوان من الله ورحمة، ولكنَّهم زهدوا في ذلك كلِّه وأَلْهتهم الدنيا عن طلب الآخرة.