وهكذا أُخِذَ أخيار اليهود بجريرة أشرارهم، حيث أنهم لم يضربوا على أيديهم، ولم ينهوهم عن إشاعة الفساد والهلاك في الأرض، ولم تنهض منهم طائفة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فغلب شرُّهم على خيرهم، وبات الناس ينظرون إليهم بعين الحيطة والحذر وربَّما العداء. وعلى الرغم من ذلك كلِّه فلم تخلُ صفوفهم من وجود عناصر خيِّرة من أحبارهم وعلمائهم في عهد النبوَّة، وإن كانت قليلة، فكان لها دور إيجابي في كشف النقاب عن الظلم الَّذي ارتكبه زعماؤهم في حقِّ أتباعهم، حين ابتعد أولئك الزعماء عن الحقِّ وخلطوه بالباطل. وللأسف فإن غراس هذا الظلم لازالت تطرح ثماراً سامَّة، كلَّما صادفت مياهاً آسنة ترويها، لتقتل بها كلَّ محاولة من شأنها أن تقيم علاقات سويَّة بين اليهود وغيرهم من الشعوب على اختلاف مللهم، تحت عنوان الإخاء في الإنسانية والتعاون على الإعمار والبناء وإحلال السَّلام.
ولم يكن عداؤهم للدين الإسلامي أو المسيحي منذ نشأتهما وحتَّى اليوم وليد عوامل معقولة أو أسباب منطقية، وليس له ما يبرره سوى الأنانية المفرطة الَّتي تعتمل في صدور زعمائهم، ومعاداتهم لكلِّ ما يمكنه أن يمسَّ بمصالحهم الشخصية المبنيَّة على الاستغلال، ولهذا ناصبوهما العداء إلى جانب المشركين الوثنيين، وكان الأجدر بهم أن يقفوا صفّاً واحداً مع المسلمين والمسيحيين، لأنهم أتباع رسالات سماوية مثلهم، وأن يجابهوا الوثنيين والملحدين بقلب مؤمن واحد. ولا سبيل لليهود اليوم لكي يخرجوا من عزلتهم الَّتي زجُّوا أنفسهم فيها، إلا بأن يخلعوا عنهم ثوب التعالي والتعصُّب، ويمدُّوا أيديهم إلى غيرهم من أتباع الشرائع السماوية، ويبدؤوا معهم حواراً عقلانياً وأخوياً، مبنيّاً على أسس متينة من حسن النيَّة والاحترام المتبادلين.