ـ إن الَّذين اتَّبعوا التعاليم الَّتي جاء بها النبي محمَّد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، لم يتحولوا إلى عالم مغاير لعالمهم أو بعيد عن أخلاقياتهم، فالجذور واحدة، والقاعدة الَّتي بُنيت عليها الشرائع السماوية والفضائل واحدة، ولكنَّها صَحَّحت لهم بعض الانحرافات المفتعلة، وأوضحت لهم الحلال والحرام في المأكل والمشرب، وخفَّفت عنهم بعض التكاليف الشاقة في التوراة، ووضعت عنهم أثقالاً ما حمَّلهم الله تعالى إيَّاها.
ـ هؤلاء الَّذين انتقلوا هذه النُّقْلة الإيمانية، فآمنوا برسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم والتفُّوا حوله مؤيِّدين له بالقول والعمل، والدعم المادِّي والمعنوي، وتشرَّبت أرواحهم بالنور الإلهي والعلوم الربَّانية الَّتي أُنزلت عليه، حالفهم النجاح والفلاح والتوفيق، وتمام الرضا من ربِّ العالمين.
في رحاب الآيات:
من أشقِّ الأمور على النفس البشرية أن تترك ما اعتادت عليه، فللعادة سلطانها الَّذي يأسر العقل في كثير من الأحيان، ويقيِّد الإرادة، ويجعل من صاحبها ضيِّق الأفق، عاجزاً عن القدرة على التكيُّف مع المستجدات والمتغيِّرات، الَّتي تحمل في طياتها الأصلح والأقوم، فالتغيير لا يمكن أن يتمَّ بدافع عاطفي، خاصَّة إذا كان تبنِّي الإنسان لهذه الأفكار مرتكزاً على أسس عقلانية. والشارع الحكيم يدعو أهل الكتاب أن يحتكموا إلى العقل الرشيد والمنطق السليم، ويدرسوا التعاليم الَّتي أتى بها النبي الكريم، ثمَّ يقارنوها مع ما هم عليه، ولابُدَّ أنهم سيجدونها تتغذى من تربة واحدة، وتُسقى من ماء واحد.