هذا هو الحبُّ الَّذي صهر النفوس في بوتقة واحدة وجعل الأرواح متجانسة متآلفة، حتَّى صارت الأُلْفة معيار الخير والإيمان، لقوله صلى الله عليه وسلم : «المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» (أخرجه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً وأخرجه البيهقي والقضاعي والعسكري عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً). لم لا؟ وأوَّل ثمار هذه المحبَّة أن الله يلقي محبَّة الصالحين في قلوب عباده؛ قيل: «يارسول الله إنا نعمل العمل لله ويحبُّنا الناس فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن» (أخرجه مسلم وأبو دواد وابن ماجه عن أبي ذر رضي الله عنه). وقال صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى إذا أحبَّ عبداً دعا جبريل فقال: إني أحبُّ فلاناً فأَحِبَّه، فيحبُّه جبريل، ثمَّ ينادي في السماء فيقول: إن الله يحبُّ فلاناً فأحبُّوه، فيحبُّه أهل السماء، ثمَّ يوضع له القبول في الأرض» (رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه )، وهذا ما أكَّدته الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ سَيجْعل لهمُ الرَّحمن وُدّاً﴾ (19 مريم آية 96).
والآن، وبعد أن رسمنا ملامح صفات المؤمنين، هل يحقُّ لنا أن ننظِّم جدولاً بهذه الصفات، لمطابقتها مع أعمال المؤمنين وتصرُّفاتهم، وخاصَّة الدعاة منهم؟.
إن قناعة الناس، وإيمانهم بمصداقية العالم العامل، الوارث الحقيقي لسلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم .. عامل أساسي في تدعيم بناء الدعوة، وشدِّ كيان العقيدة في نفوس أولئك الناس. وإنَّ التحلِّي بهذه الصفات لا يتعدى حدود الطاقة البشرية.. ولو كانت تتعدى هذه الطاقة لما فرض الله علينا التحلِّي بها؛ مصداق قوله تعالى: ﴿.. لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلا وُسْعَهَا..﴾ (2 البقرة آية 286)، وكما علَّمنا تعالى أن ندعو في محكم تنزيله: ﴿.. ربَّنا ولا تُحَمِّلْنا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه..﴾ (2 البقرة آية 286).