إلى خصوماتهم فلا يجدونها، ويبحث المتنازعون عن أسباب فرقتهم فلا يرون منها إلا سُحُباً من الغبار تتلاشى وتغيب عن الأبصار، ولا يزال هذا الضياء قادراً على أن يجذب قلوب الخلق جميعاً حتَّى يوحِّدها، ويجعل منها أمَّة واحدة، هدفها إسعاد الإنسان كلّ الإنسان في الدارين.
فما هو هذا العامل الخلاَّق الَّذي أوجد كلَّ هذا الحبِّ وقضى على هذا الكمِّ من الكراهية؟ إنه نور الله الَّذي يسري في القلوب فيغسلها من الأحقاد والأمراض ويُحِلُّ مكانها المحبَّة والمودَّة والألفة. فأين هذا الأثر العظيم من الآثار الَّتي خلَّفتها الدعوات الفكرية أو الفلسفية المجردة عن الدِّين، المنقطعة الصلة بالله، والَّتي دأب الإنسان على ابتكارها وطرح إنتاجها منذ مئات السنين وحتَّى اليوم، وصرف في سبيل نشرها أموالاً طائلة بغرض توحيد الناس وجمعهم لتحقيق هدف أو آخر، فلم يُجْدِ ذلك كلُّه نفعاً، وكان كمن يروي بذاراً فاسداً، فإنه لن ينبت ولن يزهر أو يثمر. وفي كلِّ يوم نطالع خبر مصرع هذه الدعوات الواحدة تلو الأخرى، وأحياناً على أيدي مبتكريها أنفسهم، ذلك لأن روح الحياة مُستمَدَّة من الله عزَّ وجل، وكلُّ ما انقطع عن الله وفقد الاتصال به، فهو ميِّت لا روح فيه ولا حياة، ولذلك قال بعضهم: [ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انبَتَّ وانفصل].