ـ لقد استطاع الإسلام تأليف قلوب من كانوا أَلَدَّ أعدائه وأشدَّ خصومه في زمن قياسي، وهذا سرٌّ من أسرار عظمته، في الوقت الَّذي يحاول فيه كثير من أصحاب الدعوات والشعارات، الخيِّرة منها أو الشريرة، تحقيق مثل هذا التآلف في مجتمعاتهم بعيداً عن الروح الدِّينية، وينفقون في سبيل ذلك أموالاً طائلة ولكن بدون جدوى، بل إن أموالهم هذه غالباً ما تتحول لتصبح سبباً للمزيد من الأحقاد والضغائن.
في رحاب الآيات:
قد يتبادر إلى ذهن المؤمن ـ الَّذي صفت سريرته وهو في غمرة سعيه الصادق من أجل سعادة الناس وخيرهم ـ أن منابت الشرِّ قد أمحلت وجفَّ معينها فذبلت وتلاشت، وهذا ما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته يحسنون النيَّة تجاه كلِّ من أظهر الودَّ والأُلْفَةَ لهم. وفي هذه الآية الكريمة، يلفت الله تعالى نظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن هناك من يُضمر للمؤمنين شراً ويسعى إلى خداعهم والمكر بهم، ليكونوا على أَتَمِّ الأُهبة والاستعداد لمواجهة هذا المكر وإبطال كيده، ثمَّ يطمئنه بأنه يأوي إلى ركن شديد وأنه بمأمن من كيدهم، فهو في كنف الله عزَّ وجل ورعايته. فالله وحده الَّذي نصره، وجعل قلوب المؤمنين تلتفُّ حوله وتأوي إليه، وتنتظم خلف قيادته صفاً واحداً كأنها بنيان مرصوص. وهذا لعمري إعجاز بالغ وبيان وافٍ عن قدرة الله العظيمة وعزته الكريمة، فهؤلاء الرجال الَّذين اتحدت قلوبهم وأهدافهم وتوجهت نحو غاية واحدة هي نصرة دين الله، كانوا ولسنين قليلة خلت، من أَلَدِّ الأعداء؛ فقد استحكمت الخصومة والضغائن في قلوبهم ردحاً طويلاً من الزمن، وشتَّتت شملهم، وفرَّقت كيانهم إلى قبائل مشرذمة، ولم تفلح المحاولات المتكررة والمستميتة في جمعهم ونزع العداوة من صدورهم. ثمَّ انبثق فجر الإسلام فجأة، فجلب بضيائه هذه القلوب المتناحرة المتنافرة، ومازال يجذبها إليه ويقرِّب المسافات بينها إلى أن التقت جميعها على مائدته. ويلتفت المتحاربون