هذا هو المؤمن الوديع الودود لإخوانه وأحبابه ومَنْ سالَمَهُ، الشديد القوَّة على من عاداه وحاربه، والَّذي يقيم عواطفه ومشاعره كما يقيم سلوكه وروابطه المادِّية على أساس عقيدته وحدها، يشتدُّ على من عادوه فيها، ويلين لإخوته فيها، قد تجرَّد من الأنانية والهوى، ومن الانفعال لغير الله. والله تعالى يكرِّم الصحابة الكرام ويختار من هيئاتهم وحالاتهم هيئة الركوع والسجود؛ ليوحي بأن هذه الهيئة هي هيئتهم الغالبة الَّتي يراهم الرائي عليها في أغلب أوقاتهم، ذلك لأن هيئة الركوع والسجود تدلُّ على حسن عبادتهم، وهي الحالة الأصيلة لهم في حقيقة نفوسهم، فعبَّر عنها تعبيراً يُثْبِتُها حتَّى لكأنهم يقضون زمانهم كلَّه رُكَّعاً سُجَّداً!! ليعلم المطَّلع على أحوالهم بأن صفاتهم السامية تلك، إنما اكتسبوها بحسن الصلة بالله والتزامهم بعبادته وبشغلهم الدائم وبالسعي الدؤوب للحصول على رضاه، حتَّى إنه لتبدو آثار العبادة واضحة في مُحيَّاهم لكلِّ من ينظر إليهم، فكلَّما رآهم المرء ذكر اسم الله، لأنه يرى آثار العبادة الحقيقية واضحة في وجوههم الَّتي تتلألأ وضاءةً وإشراقاً، منبعثة من قلوب تحاكي الماء الزلال صفاءً وشفافية، وقد انعكست من داخلهم على ظاهرهم سلوكاً واستقامة وحسن خُلق. قال عثمان رضي الله عنه : (ما أسَرَّ أحدٌ سريرةً إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه). وهكذا نجد أن صفة الرُّكَّع السجود لا يمكن قصرها على حركات الجسد، بل لابدَّ مع ذلك من الاستعداد التام والدائم للخضوع لأمر الله، بفعل فرائضه، والمسارعة إلى مرضاته، واجتناب محرَّماته، فكم من واضع جبهته على الأرض وقلبه غافل متمرِّد على الله تعالى!.
منهاج حياة · الصفحة ١٠٢٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ١٠٢٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي