ومن يتصفون بتلك الصفات من الكمال والمراقبة لله تعالى لا يرتكبون المحرَّمات ولا يتلوَّثون بالمآثم، فقد صانوا أنفسهم عن الزنا والفواحش، وحفظوا فروجهم في الأحوال كافَّة إلا عن زوجاتهم أو إمائهم المملوكات فإنهم غير مؤاخذين، لأن تفريغ الشهوة حيث أباح الله حلال يؤجر عليه الإنسان لما فيه من حفاظ على طهارة المجتمع. فالإسلام يريد مجتمعاً طاهراً نظيفاً نقياً صريحاً، مجتمعاً تؤدَّى فيه الوظائف الحيوية كلُّها، وتلبَّى فيه دوافع الفطرة، ولكن دون فوضى أو التواء، مجتمعاً يقوم على أساس الأسرة الشرعية المتينة القوام، وعلى البيت الشريف الواضح المعالم، مجتمعاً يَعرِفُ فيه كلُّ طفل أباه ولا يخجل من مولده، لأن العلاقات الجنسية فيه قائمة على أساس نظيف مريح، طويل الأمد، واضح الهدف، لا لمجرد إرضاء النزوة الحيوانية والشهوة الجنسية ـ فمن طلب لقضاء شهوته، غير ما أُحِلَّ له، فقد تعدَّى حدود الله وعَرَّض نفسه لعذابه ـ وبذلك يُغْلَقُ الباب في وجه كلِّ فاحشة جنسية، فلا يُرى في الوظيفة الطبيعية أي إساءة أو فاحشة في ذاتها، ولكنَّ الإساءة والفاحشة كامنة في الالتواء بها.
وعباد الرحمن هؤلاء صانوا الأمانة في أنفسهم وصانوها في مجتمعهم، فإذا اؤتُمِنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، بل هم يُؤَدُّون الأمانة لأهلها، إذ إن الخيانة ونكث العهد من صفات المنافقين. وقصارى القول: إنهم يؤدُّون ما اؤتُمنوا عليه من الله كالتكاليف الشرعية، أو من العباد كالأموال المودعة، والعقود الَّتي عاقدوا الناس عليها. وهم يشهدون بالحقِّ على القريب والبعيد، ولا يكتمون الشهادة ولا يغيِّرونها، بل يؤدُّونها على وجهها الكامل يصونون بها حقوق الناس ومصالحهم، وقد جعل الله الشهادة له ليربطها بطاعته فقال: ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ وجعلها سمة من سمات المؤمنين، وهي أمانة من الأمانات ولكنَّه أفردها بالذكر للتعظيم من شأنها وإبراز أهمِّيتها.