وبما أن تدبير الله لهذا الكون، ولهذه الحياة قائم دائماً بالعدل وكذلك كلُّ سنن الخليقة، فإن العدل المطلق لا يتحقَّق في حياة الناس، ولا تستقيم أمورهم إلا بتحكيم منهج الله الَّذي اختاره للناس وبيَّنهُ.
ويؤكِّد الله سبحانه وتعالى تفرُّده بالألوهية مرة أخرى في الآية نفسها، مصحوباً بصفة العزَّة والحكمة، وهما ملازمتان للقيام بالقسط، فالعزَّة إشارة إلى كمال القدرة، والحكمة إيماء إلى كمال العلم، والقدرة لا تتمُّ إلا بالتفرُّد والاستقلال، والعدالة لا تكمل إلا بالاطِّلاع على المصالح والأحوال، ومن كان كذلك فلا يغلبه أحد على ما قام به من سنن العدل، ولا يفوت الخليقة شيء من حكمته البالغة.
سورة البقرة(2)
قال الله تعالى: ﴿الم(1) ذلك الكتابُ لا ريْبَ فيه هُدىً للمُتَّقينَ(2) الَّذين يؤْمنونَ بالغيبِ ويُقيمونَ الصَّلاة وممَّا رزقْناهُم يُنفِقونَ(3) والَّذين يؤمنونَ بما أُنزلَ إليكَ وما أُنْزلَ من قبْلِكَ وبالآخرةِ هُم يوقِنونَ(4) أولئكَ على هُدىً من ربِّهم وأولئكَ هم المُفلحونَ(5)﴾
ومضات:
ـ كلمة ﴿الم﴾ تُقرأ: ألف، لام، ميم، وتسمَّى الأحرف النورانية، وقد افتُتِحَ بها وبمثيلاتها عدد من سور القرآن الكريم، ولم يَرِدْ أيُّ تفسير لها عن النبي عليه السَّلام، ولكنَّ كثيراً من العلماء يقولون بأن هذه الحروف ذُكرت في أوائل بعض السور لإثبات إعجاز القرآن الكريم وتحدِّياً للعرب، فهو مكتوب بلغتهم ومع ذلك فهم عاجزون عن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
ـ هذا الكتاب لا يتطرَّق إليه الشكُّ في كونه منزَّلاً من عند الله، وليس من تأليف محمَّد صلى الله عليه وسلم ، ولا هو من إيحاء أو تعليم الرهبان والكهان، وبأنه لم ينله تغييرٌ أو تحريف، فهو موثَّق محفوظ بحفظ الله وعنايته، قال تعالى: ﴿إنَّا نحن نزَّلنا الذِّكرَ وإنَّا له لحافِظون﴾ (15 الحجر آية 9).