والبحر الأحمر. وهكذا هزم الشرق الأدنى العربي. ولم تبعث الحياة في مجاري أنهاره الجافة إلا" تدفق التجارة العالمية في القرن التاسع عشر.
وهناك ثلاثة تغيرات هامة تستلفت نظرنا خلال دراستنا لتلك الفترة الطويلة التي كنا بصددها. وأولى هذه التغيرات هي تحول الشرق الأدنى عن الاقتصاد القائم على النقد الى اقتصاد يعتبر في أساسه، على الرغم من قيام تجارة مرور خارجية
واسعة ذات شان، اقتصاد اقطاعية يرتكز على الانتاج الزراعي. وثاني هذه التغيرات هو فقدان العرب الحضر والشعوب التي تتكلم العربية استقلالهم السياسي وخضوعهم للاتراك. أما في الصحاري الواسعة قليلة السكان فقد احتفظت القبائل العربية باستقلالها الذي استعادته اثناء فترة ت دهور سلطان العباسيين، كما أحبطت المحاولات المتكررة التي قامت لاخضاعها، بل وكثيرا ما كانت تضعف تخوم البلاد المنزرعة خلال صراعها الطويل الأمد مع الاتراك. وفي بعض المناطق الجبلية أيضا استطاعت جماعات تتكلم العربية أن تحافظ على استقلالها. أما في سواها من البلاد، أي في المدن وأودية الأنهار والسهول المنزرعة في العراق وسورية ومصر، فقد
قدر لسكانها اصحاب اللسان العربي، الا مارسوا حكم أنفسهم طيلة ألف سنة. وتغلغل في نفوس الناس الاعتقاد بأن الأتراك مهم وحدهم الذين اهلتهم الطبيعة للاضطلاع بشئون الحكم، بحيث نجد في القرن الرابع عشر سكرتير من المماليك يخاطب العرب بواسطة ترجمان بالتركية لا بالعربية، لغة وطنه، و ذلك لئلا يحط من شأن نفسه
-