وأول خاصة تسترعي انتباهنا هي القدرة الفريدة للثقافة العربية على هضم العناصر المختلفة وتمثيلها - تلك القدرة التي وصفت خطأ بأنها تقليد فحسب - إذ وحدت الفتوحات العربية، لاول مرة في التاريخ، المناطق الواسعة الممتدة من حدود الهند والصين حتى مشارف اليونان وايطاليا و فرنسا. واستطاع العرب آن بوحدوا المدة من الزمن، بقوتهم العسكرية والسياسية، ولمدة اطول بلغتهم وعقيدتهم، في جماعة واحدة، بين ثقافتين متنازعتين: وهما التقليد المتنوع للبحر الأبيض المتوسط في الالف السنة الأولى قبل الميلاد، وهو تقليد اليونان والرومان والاسرائيليين و اهل الشرق الأدنى، وحضارة الفرس الغنية بنماذجها الحياتية الخاصة وفكرها و اتصالاتها المثمرة بثقافات الشرق الأقصى العظيمة. و من امتزاج شعوب و عقائد و ثقافات كثيرة داخل نطاق الجماعة الاسلامية ولدت حضارة جديدة أصولها متنوعة و مبدعوها متنوعون، لكنها تحمل في جميع مظاهرها طابع الاسلام الخاص.
و من تنوع الجماعة الاسلامية هذا تظهر لنا خاصة ثانية تستلفت نظر الأوروبي بوجه خاص - وهي تسامحها النسبي. فالمسلم في العصور الوسطى، على عكس معاصريه في الغرب، قلما شعر بالحاجة إلى فرض عقيدته بالقوة على جميع الخاضعين لحكمه. وكان مثلهم على يقين تام من ان الذين كانوا يخالفونه في العقيدة سيذهبون يوم الحساب الى النار. ولكنه، على عكسهم، لم ير ضرورة. عجل الحساب في هذه الدنيا .. و في الغالب كان يقنع بأن يكون صاحب العقيدة المسيطرة في جماعة يدين اهلها بعقائد كثيرة.
•
- 200 تن